اكتظاظ


الكوكب يزداد اكتظاظاً. هذه الحقيقة ثابتة في يوميّات العالم وعالمه. يوماً بعد آخر، لم يَعُد يَحتمل هذه الضجّة، الغير مبررة، ولكن لها الف سبب لتبريرها.

ركّاب القطارات يُعرفون حق المعرفة ذلك العمود الذي يتوسّط كل مقصورة. ويُمسك به الآلاف يوميّاً، كي يبقوا ثابتين دون أن يقعوا. يتحلّق حوله خمسة أشخاص، في الحالات العاديّة. أمّا في ساعات الذروة، فهذا العدد يتضاعف. غير مرتادو القطارات سيُحاولون، أثناء قراءة هذه الأسطر، تخيّل المشهد. ولكن مهما حاولوا ذلك، لن يستطيعوا الوصول إلى الصورة الحقيقيّة لهذا الواقع المحدود.

Source: Flickr- by S.Béghin

إنّها الساعة السادسة مساءً. في هذا الوقت، يخرج أغلب الغالبيّة من سجونهم، مكاتبهم، ويتّجهوا نحو بيوتهم، التي هي سجون اخرى، ولكن بشروط حياتيّة أفضل. فهناك، لا أحد يضبط وقتهم، حركتهم، وأنفاسهم. لا أحد يُراقب أحاديثهم، انفعالاتهم، ونبرتهم. في بيوتهم، هُم سُجناء بدرجة ممتازة. هذا إذا ما أردنا أن نُبالغ قليلاً. والمُبالغة أحياناً، شرّ لا بد منه. أو في الحد الأدنى، هذا ما يفعله الروائيين ليُضيفوا بعضاً من الدراما على قصصهم. هكذا يجذبون القارىء إلى متاهاتهم. وهذا ما يُحاول هو القيام به، عند محاولته كتابة نصوصاً قصصيّة.

***

في كل الأحوال، هو الآن، يقف محشوراً إلى جانب فتاة تقرأ الانجيل بنسخته الديجيتال ليس على “الآيباد”. هذا المشهد لم يدعوه للذعر. كان شيئاً عادياً بالنسبة إليه. ولكن هذا لم يمنعه من اعتبار المشهد فيه من السرياليّة بما يكفي ليُشير إليه في قصّته. وإلى جانبها، شاب ذو ملامح هنديّة، وعيون وآذان مغلقة. يستمع يبدو إلى الموسيقى. حاول أن يُخمّن الموسيقى التي يسمعها هذا الشاب الذي لا يُعرف عنه شيئاً، ولكنّه لم يستطع. وطبعاً، حشريّته ليست قاتلة لتدفعه إلى سؤاله بشكل مباشر. حشريّته نعم قاتلة، ولكنّ ليس لديه المساحة الكافيّة للتحرّك في هذا الاكتظاظ المفاجىء. اكتفى بالتخمين. هذا الشاب يستمع إلى موسيقى الكلاسيك روك. لن يُحاسبه أحد من القرّاء ما إذا كان تخمينه دقيقاً. ربّما الشاب لا يضع سماعات في أذناه. وربّما غير موجود بالمطلق، وهو مجرّد شخصيّة وهميّة اخترعها، لتكون كومبارساً عابراً في القصّة. خصوصاً، وأنّه يتخيّل قصّصه كمشاهد سينمائية. وعلى الأغلب، شخص ما يستمع إلى الموسيقى، دائم الحضور في مشاهد القطارات.  وكلّ ما في ذلك، أنّه يعبر لثوانٍ في الخلفيّة، ليبدو المشهد طبيعيّاً.

***

فكرة اخرى، احتلّت دماغه الضيّق. ماذا لو أنّ فيلم ما يتناول حياة تلك الشخصيّة تحديداً. الشاب الذي يستمع إلى الموسيقى في القطار. والذي لا يلفظ ببنت شفة، ولا يكترث له أحد. هذا الشخص جدير بالتوقّف عنده. وبدأ يرسم ملامحه التي لا يُعرف عنها شيئاً. هو شاب في أواخر العشرينات من عمره. ما بين الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون تقريباً. عاطلاً عن العمل. او بالاحرى، ترك عمله للتوّ. لم يعد يُطيق نبرة مدير عمله. كبت انزعاجه خمسة أشهر ونصف. اليوم، كان موعده مع الانفجار. انفجر في وجه مديره، كتدفّق النار فوق النفط. أخذ أغراضه من مكتبه وخرج. هذه كانت المرّة الأخيرة، التي يخرج منها من ذلك المكتب، الذي لطالما كرهه. وتوجّه إلى القطار. طبعاً، لن يذهب إلى بيته. لم يكن قادراً على تحمّل الجدران، والأماكن المغلقة. بعث رسالة لزوجته التي مرّ على زواجه منها حوالي سنة تقريباً. رغم غضبه، أخبرها بطريقة طريفة أنّه ترك عمله. البحر كان وجهته. “أي شيء قادراً على التخفيف عنه أكثر من الأزرقين؟”. هذه العبارة صاغها برأسه، أثناء إغلاقه باب مكتبه، وهو خارجاً. وهكذا كان. في القطار، وكي يتفادى الضجّة، وثرثرة الركّاب الآخرون، وضع سماعة في أذنيه. وبما أنّ بطاريّة آلة الموسيقى التي بحوزته فارغة، فلم يكن يسمع إلاّ أصوات الذين يجاورونه، ولكن همساً. ورحل في شروده. لم يكن يُفكّر بشيء. رغم أنّ الهاجس المادي كان يُطوّقه كالغيم اللندنيّ عندما يقوم بإنزاله، ويستحوذ على المدينة باسرها. استطاع أن يكون كجزيرة خضراء معزولة. غبطة خفيفة، وعابرة تسلّقت قلبه. عند البحر، بدى العالم له وكأنّه مجرّد بحر واسع. حينا، كان مازال جزيرة معزولة. في الدقائق التي تلت، تخيّل نفسه أنّه في الخمسينات من عمره، وإلى جانبه زوجته، دون أولاد. الفكرة لم تزعجه. واقع أنّه لا يُنجب الأطفال يُصدّقه، ويعيشه. تخطّى الموضوع، هو وزوجته. ولكن مهلاً. “هل تخطته فعلاً؟”. شعر بمعدته تعتصر بخواء عميق. حاول أن يتذكّر الأحاديث الأخيرة معها في هذا الخصوص. الآن، لم يعد مقتنعاً بأنّها تخطته. عاد للتخيّل. هو في الستينات من عمره. وحيداً. لا زوجة بجانبه، وطبعاً لا أبناء. “ما العمل الذي يُمكن أن أقوم به في ذلك العمر؟ أين اسكن؟”. هذه المرّة اسئلة أكثر وجوديّة أحاطت بكيانه الذي خُيّل له أنّه نحيل. هي الستينيّات القادمة تتقمّص جسده.

Source: Flickr- by Seema K K

على الكورنيش البحري، كان وحيداً. ولو لم يأتي بائع القهوة في تلك اللحظة، ليسأله إذا ما كان يرغب بفنجان آخر، لربما أصبح كهلاً سبعينيّاً في دقائق. كهلاً مشرّداً، ويُعاني من الزهايمر. هكذا هُم بائعو القهوة، كأنبياء بلا سيوف، يأتون من اللامكان، لينتشلوا روّاد البحر بجرعة من الكافيين.

تناول فنجاناً اخراً، ومضى. رغبته بالرحيل إلى البيت، كانت متلاشية، رغم أنّ الشمس ذابت مع ملح الأزرق، وعقارب الساعة تشير إلى التاسعة. لم يكن يريد لهذا اليوم أن ينتهي. على الأرجح، اراد ذلك، وبشدّة. ولكن شيء ما بداخله كان يمنعه من ذلك. ربّما كان يهرب من واقعه الستيني.

الليلة، وكل ليلة، لن يرحل إلى بيته. هو لا بيت له، ولا زوجة، ولا عمل طبعاً. هو ذلك الكهل المتشرّد الذي نهشته الحياة أكثر من اللازم. وها هو في هذه اللحظة، جالساً، بثيابه المتهالكة، في القطار، واضعاً في أذناه السماعات، متوجهاً إلى أحد الشوارع الفرعيّة، حيث ينام هناك في مدخل أحد الأبنية، ويستيقظ قبل بذوغ الشمس كي لا يراه أحد. ويمضي نحو الشوارع المكتظة، محاولاً البحث عن فتات الطعام، وبعض من اللاشيء.

***

Source: Flickr- by Pierre.B

في تلك الأثناء، الفتاة التي كانت غارقة في قصص مسيحها، امتلأت سخطاً. وصلت إلى الفصل الذي يبيع فيه يهوّذا يسوع بثلاثين من الفضّة. ملامحها كانت بانفعال تام. وكأنّ هذه الحادثة تحصل الآن في أحد أحياء المدينة، ويتم تناقل الخبر على موقع “تويتر”. خلال ثلاث دقائق، كان المسيح يمشي درب الجلجلة، نحو مصيره الذي جاء على شكل صليب. وفي الدقائق التي تلت، دخل القطار عشرات الركّاب. هو الاكتظاظ بأبهى أشكاله. الجميع يتنزاحم للامساك بالعامود الذي هو خشبة خلاصهم، كي لا يقعوا عندما يقلع القطار. الفتاة تتمسّك بصليبها، وتنهي الفصل ما قبل الأخير. امرأة اخرى تُحاول البحث عن حيّز ضئيل لتتمسّك بالعامود. وتجد ضالّتها. الجميع نال خلاصه.

أما ذلك الكهل الستيني، تبدو طريق الجلجلة التي يسلكها، أنّها لن تنتهي قريباً. الآلآم ستلاحق ظلّه النحيل، لوقت طويل.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

1 thought on “اكتظاظ”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s