فلسطين 2: اللاعنف ليس مستحيلاً!


سلسلة النضال السلمي: الطريق إلى الحريّة

الجزء الثاني عشر: فلسطين 2، اللاعنف ليس مستحيلاً

في هذه الحلقة، نستكمل النقاش حول فعاليّة المقاومة اللاعنفيّة في الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي. سنقوم بالمقارنة ما بين  الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي نشأت عام 1987، وأطلق عليها اسم “انتفاضة الحجارة، والتي كانت بمجملها إنتفاضة لاعنفيّة، والإنتفاضة الثانية التي بدأت عام 2000، واتّسمت بمجملها بالعنف المسلّح. وقد اعتمدنا على دراسة “لا للعنف، نعم للمقاومة”، الصادرة عن حركة حقوق الناس، للناشط اللاعنفي، الدكتور وليد صليبي، الذي يُعتبر من أبرز الناشطين في العالم العربي الذين يدعون إلى اللاعنف في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي.

***

قد تكون تجربة “انتفاضة الحجارة” اللاعنفيّة أكثر عمل مُقاوِم كان له نتائجه المباشرة على الشعب الفلسطيني، أكثر من كل العمليّات المسلحّة التي قامت بها منظمات الكفاح المسلّح منذ بدء احتلال فلسطين. أما “سلاح” الفلسطينيين خلال الانتفاضة، فكان حجارة في مواجهة الآلة العسكرية الاسرائيلية، وعدم تعاون مع سلطات الاحتلال. لم تكن الانتفاضة عبثيّة بتحرّكها وسلوكها. كانت واضحة الاستراتيجيّة: عدم الانجرار إلى العنف يتقنه الاحتلال. هكذا مضى الشعب الفلسطيني نحو انتزاع الاعتراف بوجوده من الاحتلال الذي بقي منذ ما قبل نشوء الدولة الاحتلاليّة يرفض الاعتراف بوجود الفلسطينيين.

انتفاضة الحجارة

خلال تلك الانتفاضة، كان واضحاً للعالم أجمع أن الاحتلال يُمارس الظلم بحق الفلسطينيين. هكذا استطاع الفلسطينيون اكتساب التضامن العالمي، بما فيه التضامن مع قلب المجتمع الاسرائيلي الذي بدأت تخرج فيه أصوات مُطالبة بوقف “الاحتلال”. وهذه تعتبر سابقة بالنسبة للمجتمع الاسرائيلي الذي كان يتوحّد دائماً حول قرارات دولته.

فيما يلي بعض من الأمثلة عن الأصوات العالميّة (واليهودية) الرافضة للاحتلال التي ما كانت لتكون لولا لاعنفيّة الانتفاضة:
– اقترح برونو كرايسكي، طرد حزب العمل ووزير الدفاع رابين من الاشتراكية العالمية، بسبب القمع الوحشي للانتفاضة اللاعنفية .
– أصدر عدد من الشخصيات اليهودية الشهيرة، إعلاناً، قالوا فيه: “إننا نخجل بأن نكون يهوداً”. وقد برزت في هذا المجال مقالة المخرج والممثل السينمائي وودي آلن التي أثارت ضجة كبيرة في الأوساط اليهودية.
– صدرت لدى غلاة المؤيدين لإسرائيل في أميركا مقالات تقارن الوضع في إسرائيل مع جنوب افريقيا وإيرلندا حيث سياسة الفصل العنصري، واعتبروا أن على إسرائيل أن تختار بين إقامة ديمقراطية أو الإبقاء على نفسها كدولة “الديانة الواحدة” .

– أدان مجلس الأمن أساليب القمع التي استخدمتها إسرائيل، فيما لم تستطع أميركا استخدام حق النقض “الفيتو”.

أما بالنسبة لتأثير الانتفاضة على الداخل الاسرائيلي:

– تظاهر لأول مرة في التاريخ الإسرائيلي، 80 ألف شخص من حركة “السلام الآن”، تحت شعار: فليسقط المحتلّ .

– أصدر 620 برفسور جامعيا اسرائيليا أصدروا بياناً : “احتلالنا يضع إسرائيل في خطر” .

– لأول مرّة في إسرائيل تُقفل جريدة “ديرتش هونيتروتز” بسبب تغطيتها للأحداث في الضّفّة و غزّة . كذلك منع رئيس مجلس إدارة التلفزيون والراديو الإسرائيليين بث فيلم يظهر فيه جندياً إسرائيلياً وهو يضرب رأس فلسطيني بالحائط ويكسر يده .

– أصدر عدد من الكتّاب الإسرائيليين بيان بعد زيارتهم غزّة قالوا فيه: “لا نستطيع قمع شعب الى الأبد ” …
أما حيث انعكاسات الانتفاضة على الجيش الاسرائيلي بالذات، من الضروري أن نتذكر بعض ما جرى ، بالأحداث التالية :

– وقّع 1600 ضابط إسرائيلي على عريضة أعلنوا فيها : “أنّ استمرار سياسة الاستيطان وأيديولوجية إسرائيل الكبرى، واستمرار الوضع كما هو يشكّل خطراً على أمّتنا”

– 160 ضابط رفضوا التطوع في الجيش.

– نواب وضباط كبار حرّضوا الجنود الإسرائيليين على رفض الطاعة ، وقد كتب أحد الضباط الكبار رسالة يتوجّه فيها الى الجنود: “طلب منكم عدم تلطيخ شرفكم من خلال إطاعة أوامر تقضي بكسر عظام مدنيين يعيشون في ظلّ الاحتلال، كما أطلب منكم حماية كرامتكم كرجال . قد تكون دعوتي الى العصيان مخالفة للقانون ، إلّا أنّه من واجب كل يهودي ما زال يملك ضميراً أن يرفض إطاعة الأوامر” .

– قد صَدَرَت أحكام سجن للعديد من الضباط المتمرّدين. والجدير بالذّكر أنّ المتمردين أنفسهم هؤلاء هم الذين قادوا الغزوات السابقة.

– انخفض الاستعداد للتطوّع في الخدمة العسكرية 47%.

–  وأيضاً، لسيلسة قمع الانتفاضة انعكاسات سلبية على نفسية الجنود الإسرائيليين؛ فقد اعتبر 157 عالم نفسي إسرائيلي أنّ هناك خطر إفساد نفسية الجنود والمجتمع . كذلك لاحظ جهاز علم نفس الجيش الإسرائيلي علامات خطيرة على الجنود . وكان الجنود الإسرائيليون يعبّرون عن قلقهم بتصريحات من نوع : “لا أستطيع النوم ، كيف يطلبون منّا أشياء كهذه” .. “إنّهم يقتلون روح شبابنا” . كما اعتبر عدد من المؤرّخين العسكريين أنّ هناك خطر انحلال الجيش الإسرائيلي الذي لم يعد جيشاً بل مجموعة زُمر”.

طبعاً، يُمكن فهم هذه التحوّلات داخل الجيش الاسرائيلي لعدّة اسباب، أهمّها أن هذا الجيش مُدرّب على مواجهة العنف، وليس مُجهّز لمواجهة أي تحرّك لاعنفي. فهو يُتقن مواجهة عسكر يحملون بنادق وقذائف، وليس مدنيين عُزّل سلاحهم حجارة يلقونها على الدبابة. وهذا ما أربك القيادات السياسيّة والعسكريّة والأمنيّة في اسرائيل، إذ أنّهم غير مجهزين لهكذا مواجهة، عدا عن أنّهم لم يكونوا قادرين على تحديد ماهيّة “الحركة” التي يقوموا بمواجهتها، على حد تعبير الكثير من السياسيين والضباط الاسرائيليين.

في المقابل، تفجّرت الانتفاضة الثانية، “انتفاضة الاقصى”، عام 2000، إثر زيارة آرييل شارون لمسجد الاقصى في القدس المحتلّة. هذه الانتفاضة التي اتّسمت بالعنف، واجهتها اسرائيل، قيادة وشعباً، بسهولة. التفّ الشعب حول الخيارات العسكريّة العنفيّة للسلطة، خصوصاً وأنّ الدولة هي “في حالة الدفاع عن النفس أما العنف الفلسطيني”.

انتفاضة الاقصى

هكذا، لم تستطع هذه الانتفاضة من خرق الداخل الاسرائيلي، إضافة فقدان إلى التضامن العالمي معها. فالداخل الاسرائيلي لن يصمت عن قتل “مواطنيه”، والخارج اعتبر أنّ ما يجري في فلسطين مجرّد دوامة عنف متبادل بين الفلسطينيين والاسرائيليين، ويجب إيقافه. من جديد، خسر الفلسطينيون المعركة. نضالهم تحوّل إلى “دوّامة عنف” لا مخرج لها. وطبعاً، لن تأتي بثمار كالانتفاضة الاولى التي سبق وأشرنا إلى نتائجها، وانعكساتها على الداخل الاسرائيلي، والعالم.

أما بالنسبة لانعكاسات “إنتفاضة الاقصى” على الرأي العام الإسرائيلي والعالمي، سنأخذ حدثين بارزَيْن كان لهما آثارهما على اتجاه الاحداث:

– الحدث الأول هو مقتل الجنديين الإسرائيليين في 2000/10/12. إذ شكّل هذا الحدث أول عمل عنف بارز من قِبل الفلسطينيين في انتفاضة 2000. وكان هذا الحدث قد حصل إثر القمع العنيف للفلسطينيين والذي أدّى الى وقع عشرات الضحايا بينهم، بعد زيارة شارون الاستفزازية للمسجد الأقصى.

– الحدث الثاني هو حصار رام الله الذي جرى بعد القمة العربية في لبنان وبعد عملية نهاريا الانتحارية التي سبقت هذه القمة .

قبل مقتل الجنديين الإسرائيليَيْن، ندّدت معظم المواقف العالمية بزيارة شارون الاستفزازية للمسجد الأقصى:

– مجلس الأمن اتخذ قراراً انتقد فيه إسرائيل لإفراطها في استعمال السلاح، وامتنعت الولايات المتحدة من التصويت وعن استخدام حق النقض.

– اعتبر الاتحاد الأوروبي في بيان أصدرته رئاسته أن المواجهات الدامية التي حصلت في القدس والأراضي الفلسطينية هي نتيجة عمل استفزازي.

– الرئيس الفرنسي جاك شيراك انتقد شارون بشدة واصفاً الزيارة بانها “عملية غير مسؤولة” .

–  في مدريد ندد وزير الخارجية الاسباني بالاستفزاز المباشر الذي قام به شارون .
أما وعلى إثر مقتل الجنديّين الإسرائيليّين، فقد صدرت مواقف عالمية عدّة، منها:

– دان كوفي أنان قتل الجنديين الإسرائيليين ووصف الحادث بأنه “بشع”

– اعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية قتل الجنديين عملاً خطيراً وطلبت من السلطة الفلسطينية معاقبة الفاعلين .

– ندّد كلينتون بشدّة بقتل الجنديَّيْن.

– باشرت محطة ال” سي أن أن ” منذ الصباح تبرير الحرب التي شنّتها إسرائيل على مقرّات السلطة الفلسطينية في رام الله وغزّة ونابلس والخليل وغيرها، إذ أضافت الى عنوانها الرئيسي “أزمة في الشرق الأوسط” عنواناً آخر هو “قتل جنديين إسرائيليّين في رام الله”، وفي المساء بثّت الشريط الذي يُظهر عملية القتل في ما يشبه إقامة التوازن مع شريط قتل الطفل محمد جمال الدرّة .

– أما جريدة “الحياة” اللندنيّة، فكتبت: “جائت مشاهد مقتل الجنديّين الإسرائيليين على أيدي متظاهرين فلسطينيين في رام الله والهجوم على المدمّرة الأميركية في مرفأ عدن، لتنسف بداية التعاطف الذي بدأ يتوّلّد في الشارع الأميركي نتيجة المشاهد التي بثّتها وسائل الإعلام على مدى أسبوعين للقوات الإسرائيلية وهي تطلق النار على مواطنين فلسطينيين عزّل”. “واستمرّت محطات التلفزة ببث مشاهد إلقاء جثة جندي إسرائيلي من النافذة والشاب الفلسطيني الذي يتباهى بيديه الملطّختين بدماء الجندي الإسرائيلي. وأعطت هذه المشاهد نوعاً من الراحة لمؤيّدي إسرائيل الذين عادوا ليصوّروا العرب كمجموعة بربرية وإسرائيل كضحية”.

كان من المفترض أن يكتسب الشعب الفلسطيني التضامن العالمي بعد العنف المدمّر والشامل الذي تعرّضت له رام الله والمدن الاخرى اثناء الحصار، والذي ادّى إلى قتل المئات وتدمير أحياء بأكملها، إلاّ أنّ حادثة قتل الجنديين اتت بنتائج عكسيّة، إذ لم ينفصل العنف الاسرائيلي عن عمليّة نتانيا. هكذا تمّ التعاطي مع المشهد العام على أنّه “دوّامة عنف”. وتم مساواة اعمال الجيش الاسرائيلي بعمليّة قتل الجنديين. وعليه، أصدر مجلس الأمن قرار رقمه 1402 يساوي بين هجمات الإسرائيليين وبين عمليات الفلسطينيين. وقد حاز القرار على موافقة جميع أعضاء مجلس الأمن، وقد نصّ القرار على ما يلي:

– مطالبة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني الوقف الفوري لإطلاق النار.

– مطالبة لالانسحاب الإسرائيلي من المدن الفلسطينية بما فب ذلك رام الله.

– القلق الشديد تجاه التفجيرات الانتحارية والهجوم على رئاسة السلطة الفلسطينية .

– دعوة الطرفين الى التعاون التام مع المبعوث الأميركي الى الشرق الأوسط.

وأيضاً صدر بيان عن رئاسة الاتحاد الأوروبي، ساوى بين العنفين الإسرائيلي و الفلسطيني. وقد طالب الاتحاد الاوروبي في البيان المذكور إسرائيل وقف هجماتها على السلطة الفلسطينية في رام الله وانسحاب الجيش الإسرائيلي من هذه المدينة. في المقابل، وافقت الدول ال 15 الأعضاء في الإتحاد الأوروبي على حق إسرائيل الشرعي في مكافحة الإرهاب وردها على العمليات الوحشية ضدها في الأيام الأخيرة. وطالب الاتحاد الاوروبي إسرائيل المحافظة على السلطة الفلسطينية ورئيسها اللذين عليهما مكافحة الإرهاب بكل قواهما ومعاقبة المسؤولين عن العمليات الانتحارية الأخيرة .

هكذا، لم تستطع الانتفاضة الثانية أن تكمل الانجاز الذي حققته الأولى، وعوض عن ذلك، فإنّ القضيّة الفلسطينيّة تراجع التضامن العالمي معها، ولم تستطع شقّ طريقها إلى داخل المجتمع الاسرائيلي الذي وقف خلف الآلة العسكريّة لجيشه “ليُدافع عن نفسه”، وطبعاً خسر الشعب الفلسطيني  هذه المعركة، كونه استخدم السلاح الذي يتفوّق فيه الاحتلال: العنف!

***

 

طبعاً، هاتان الحلقتان حول فلسطين لا تكفيان لإحاطة مسألة العنف واللاعنف في الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، ولكن هي مجرّد إضاءة على الاحتمالات والنتائج التي تقود إليها كل من المقاومة العنفيّة واللاعنفيّة.

وقد أثبتت الانتفاضة الفلسطينية اللاعنفيّة الأولى أن ما حققته كان استثنائياً وعظيماً في تاريخ الصراع. فقد استخدم الفلسطينيون لقد “نظام أسلحة”، مختلفاً جذرياً ونوعياً عن نظام الأسلحة الإسرائيلي، وهذا ما شلّ التفوّق العسكري الإسرائيلي. وهذا في صلب البعد الإستراتيجي للمواجهة اللاعنفية : عدم مواجهة الخصم الظالم على أرض العنف، كونها أرضه وحيث يتفوّق على المظلومين بأشواط.

بعد مرور ستة عقود، وأكثر، على الصراع، آن لنا أن نُحاول قراءة الصراع من منظار آخر، غير منظار العنف، وخارج الخطابات الرنّانة، والتهويل والتخويف الذي اسر فلسطين، بأطر دينيّة وعنفيّة ضيّقة. وأن نجرّب سُبُل مختلفة، سبق أن جُربّت واثبتت نجاحها.

لقد أثبتت المقاومة اللاعنفيّة هي أنّها ليست مجرّد حلم يُراود القلّة بل نضال طويل وشاق، يمكنه أن يرسم “خريطة طريق” لتحرير فلسطين.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

1 thought on “فلسطين 2: اللاعنف ليس مستحيلاً!”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s