لماذا الدكتاتور يعشق الأطفال؟


الصورة

يظهر الدكتاتور، إلى جانب الطفل (ة)، وكأنّه والده. يحتضنه لثوانٍ. يقبّله على جبينه، قبلة أبويّة. ينظر إليه نظرة أبويّة، فيها من الحنان والأبوّة ما يكفي. وأثناء ذلك، يتأكّد من أنّ الصورة التقطت، ويحرص على أن يُشاهده الجميع. ليزرع اليقين بأنّه “والد” الجميع. بعدها، يقوم باتصالاته لتتصدر هذه الصورة صفحات الجرائد والمجلات، ونشرات الأخبار على التلفزيون.

 

تختزل هذه الصورة، الذهنيّة التي يدير بها الدكتاتور البلاد. وكيفيّة نظرته إلى شعبه. هو الأب دائماً. وإذا اقتضى الأمر، فهو “الأخ الأكبر” الذي يُحبّ الجميع، على حد تعبير جورج أورويل في روايته التي أرّخت لحقبة طويلة من التاريخ الحديث:”1984″.

هو الراشد الوحيد. الحريص على ابنائه، والذي يعرف مصلحتهم. والأبناء، يبقون أبناء. قاصرون. يجب رعايتهم دائماً. لذا، هو الأدرى بمصيرهم، ومستقبلهم.

من جهّة اخرى، قبلت الشعوب، بشكل او بآخر، بهذا الدور. وأصبح الدكتاتور، قائد “المسيرة”. الأب الذي يعرف مصلحة البلاد دائماً. الوصي على الأرواح، والتراب. صانع الانتصارات. رمز الصمود. هكذا، رضخت الشعوب، بدرجات متفاوتة، لنصف قرن تقريباً، للدكتاتور، ونظامه. رضخت لحدود بعيدة. لدرجة أنّ مقولة “شعبنا ما بيمشي إلاّ بالجزمة” أصبحت شعبيّة. يُرددها الناس بشكل تلقائي، واعتيادي. تماهت الشعوب بالرضوخ، لدرجة أن “موت الشعوب في العالم العربي” أصبح نقاشاً عاديّاً.

ما بعد الصورة

المُتابع لخطابات الطُغاة  في العالم العربي، بعد الثورات السلميّة التي أنطلقت من تونس، يُلاحظ اللهجة والنبرة الأبويّة التي يُخاطب بها الطغاة شعوبهم. هو الأب غاضباً من ابنائه.

هذا المشهد هو استكمال للصورة. واستخدام لها. الأب يُوازن بين محبّة ابنائه، والقسوة عليهم. هذا ما توحي به خطابات هؤلاء قبل سقوطهم.

ولكن، كطلقة أخيرة يُطلقها الدكتاتور- الأب أو الدكتاتور- الأخ الأكبر، هو التهديد: “أنا أو الحرب الأهليّة”. “أنا أو الفوضى”. تهديد الأبناء، الذين تمرّدوا على الأب، وعلى الدور الذي لعبوه لنصف قرن. اليوم، يخرجون عن الطاعة. يكسرون حاجز الخوف. ليحطّموا صورة الدكتاتور- الأب. وشعار “الشعب يُريد إسقاط النظام” يحمل الكثافة الرمزيّة للانتفاضة بوجه الدكتاتور- الأب ونظامه.

الربيع العربي، القادم مع نسائم الياسمين من سيدي بوزيد التونسيّة، قاهرة الطغاة، تعز الحمراء، ودرعا الأبيّة، يُسقط الأعمدة التي قامت عليها الأنظمة القمعيّة لعقود طويلة. فهل تنجح الشعوب القابعة ما بين الأزرقين من بناء دول دون آباء؟

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “لماذا الدكتاتور يعشق الأطفال؟”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s