اللاعنف المطلق، مستحيل؟


سلسلة  النضال السلمي: الطريق إلى الحريّة

الجزء السابع: اللاعنف المطلق، مستحيل؟

إن الحديث عن لاعنف مطلق هو ضرب من ضروب الخيال. فاللاعنف المطلق مستحيل. هو غير واقعي، خصوصاً وأن عالمنا مليء بالعنف. وقد يكون تعبير غاندي أكثر دقّة في ما يتعلق بهذه النقطة، إذ قال: “بما أننا لسنا أرواحاً طاهرة، فإن اللاعنف الكامل نظريّ تماماً كخط أقليدس المستقيم”.  وفي مكان آخر يقول “منذ أن وجد الإنسان في المجتمع، وهو لا يمكنه إلاّ أن يكون متواطئاً مع بعض أشكال العنف”.

متظاهرة ضد النظام الاسلامي في ايران

تجدر الإشارة إلى أن أكثر الذين استخدموا مصطلح “اللاعنف المطلق” هم المناهضون لمفهوم اللاعنف، وذلك من أجل مهاجمته على نحو أفضل واعتباره بالمجمل غير قابل “للاستخدام” في النضال من أجل الحريّة. من هنا، يأتي السؤال التقليدي الذي يُطرح على اللاعنفيين: “ماذا تفعل إذا حاول شخص مُسلّح قتلك أو قتل أحد أفراد عائلتك؟”. بالطبع، تَصعُب الإجابة على هذا السؤال. حتى أن طارحه أيضاً سوف يكون في موقف صعب، إذا ما أراد الإجابة عليه. لكن سؤالاً إفتراضياً كهذا، لا يمكنه أن يلقى سوى إجابة افتراضية أخرى.

وفي هذه الحالة، الموقف اللاعنفي، لا يمكنه أن يقتصر على إقناع المعتدي بالتوقف عن القيام بالاعتداء. ففي هذه الحالة، لن يكون ذلك مجدياً. الوسيلة التي قد تُتّبع للدفاع عن النفس في حالة مماثلة هي لكمة “الأيكيدو” التي تُمكِّن المعتدى عليه من شلّ حركة المعتدي وتجميده والسيطرة على عدوانيّته.

اللاعنف المطلق: مثاليّة لوثر كينغ وواقعيّة غاندي

في 20 أيلول 1958، قامت امرأة بطعن قائد حركة الحقوق المدنيّة في الولايات المتحدة مارتن لوثر كينغ. لاحقاً، تبيّن أنها مضطربة عقلياً. أثناء قيامها بطعنه، لم يدفعها الحارس الشخصي للوثر كينغ بعيداً عنه، ومن جهته لم يواجهها لوثر كينغ بأية حركة دفاعيّة.

قد يكون مارتن لوثر كينغ قد فضّل أن تبقى صورته في أذهان الناس صورة رسول “كامل السلميّة” لن يستخدم العنف، ولو بحدّه الأدنى. لكن هذا السلوك في الواقع، يحمل الكثير من البدائيّة ومن المثاليّة المفرطة اللتين قد تضران أكثر مما تُساهمان في النضال الذي يخوضه. وإذا ما افترضنا أن هذه الطعنة أودت بحياته، فهذا كان سيعني خسارة حركة الحقوق المدنيّة قائد له رؤيته وحنكته وقدرته على إدارة معركة التحرّر. من هنا لا بد من تخطّي مفهوم اللاعنف هذا، خصوصاً وأنه يحوّل المناضلين السلميين إلى أشخاص يفتقدون للصلابة في معركتهم ضد النظام، أو الاحتلال.

من أجل استقلال التيبت

في المقابل، نرى أن السلميّة عند غاندي هي أكثر واقعيّة، وأكثر قرباً من طبيعة الإنسان وفطرته. وهي تختلف عن المفهوم الذي حمله مارتن لوثر كينغ.

ففي أكثر من ناحية، كان غاندي واضحاً في ما يتعلّق باللاعنف المطلق. وفي كتابه “كل البشر إخوة”، يقول “عندما يكون علينا أن نختار بين الجبن والعنف، يجب أن نختار الحل العنفي. لمّا سألني ابني البكر عمّا كان يفترض به فعله عندما شهد محاولة الاغتيال التي أوشكت أن تودي بحياتي سنة 1908: هل كان عليه أن يهرب ويتركني أُقتل أم كان عليه اللجوء إلى القوة الجسدية لإنقاذي؟ أجبته أنه كان من واجبه الدفاع عني وبالعنف إذا ما استلزم الأمر”.

وفي مكان آخر من الكتاب، يبتعد غاندي عن عرض أمثلة ترتبط بأحداث حقيقيّة، ليطرح فرضيّة قد تصح في أي مكان من العالم. وهي “تخيّلوا مثلاً مجنوناً مسعوراً يمسك بيده سيفاً ويقتل كل إنسان حي يصادفه في طريقه. نحن مجبرون على الإمساك به حياً أو ميتاً. عندئذٍ سيعترف المجتمع بفضل ذلك الذي تمكّن من هذا المهووس، وسنكون كلنا ممتنّين له لقيامه بهذه الخدمة لصالحنا”.

من خلال هذا المثال، نفهم أكثر نظرية اللاعنف الغانديّة التي تقطع الطريق على مفهوم اللاعنف المطلق، لتضع “اللاعنف” في إطاره الإنساني وسياقه الواقعي، من دون الانجرار إلى المثاليّة اللاواقعيّة. وهنا، يبدو الاختلاف واضحاً بين اللاعنف الغاندي واللاعنف اللوثريّ.  ونحن نميل أكثر إلى تبنّي مفهوم غاندي لللاعنف.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s