القوّة: محرّك اللاعنف!


سلسلة  النضال السلمي: الطريق إلى الحريّة

الجزء السادس: القوّة، محرّك اللاعنف!

 

كثيرة هي المفاهيم الخاطئة التي تنتشر حول مفهوم اللاعنف. ومنها ما يقول بأن اللاعنف يفتقر إلى القوّة وبأنه مجرّد نضال هشّ وطيّع.. هو وسيلة يلجأ إليها المستسلمون.

أما في الواقع، فإن اللاعنف يرتكز في الدرجة الأولى على حشد القوى في مواجهة السلطة أو الاحتلال. خصوصاً، وأن الطرف الذي تتم مواجهته يتمتّع بقدرات إداريّة وتنظيمية وسياسية واقتصادية وعسكرية معززة وشاملة. وبالتالي، فإن أية مواجهة مع هذه الجهات تغيب عنها القوّة اللاعنفيّة، هي مواجهة خاسرة سلفاً.

إلى ذلك، فإن وضع استراتيجية للعمل اللاعنفي هو جزء من القوّة التي يجب على الحركة اللاعنفية امتلاكها في معركة مواجهة النظام أو الاحتلال، كونها تساعد في تحشيد القوى بشكل فاعل وتعزيز القدرة على إدارة المواجهة بشكل منضبط وواعي بالإضافة إلى تحديد الأساليب الواجب استخدامها في كل مرحلة من مراحل المواجهة، كما وتتطلب الاستراتيجية شجاعة “الجنود” والتنظيم والاستعداد للتضحية.
أما بالنسبة إلى قياس القوة، فهي تعتمد على القدرة النسبية في تعبئة الشعب والمؤسسات المناهضة للنظام للقيام بنشاط معين أو للضغط باتجاه تحقيق مطلب ما.
تقويض قوة النظام
تحتاج الأنظمة الدكتاتوريّة إلى مساعدة الشعوب التي تحكمها، والتي من دونها لا تستطيع الإبقاء على مصادر قوّتها السياسية. وتشتمل مصادر القوة السياسية على :

  • السلطة أو الشرعية.
  • المصادر البشرية: الأشخاص والمجموعات التي تنصاع لأوامر النظام وتتعاون معه.
  • المهارات والمعرفة: التي يحتاجها نظام الحكم ويقدّمها الأفراد والمجموعات المتعاونة.
  • العوامل غير الملموسة: مثل العوامل النفسية والفكرية التي قد تشتمل على الأشخاص الذين يطيعون النظام ويعينونه.
  • المصادر المادية: الممتلكات والمصادر الطبيعية والمالية والنظام الاقتصادي، بالإضافة إلى وسائل الاتصالات والمواصلات.
  • العقوبات: التي يهدد الحاكم باستخدامها لضمان خضوع الناس وتعاونهم، وهما أمران أساسيان لاستمرار النظام.
المواجهات مع الامن المصري

وهذه المصادر تعتمد على قبول الشعب لنظام الحكم، وعلى خضوعهم له وطاعته. وبالتالي فإنّ القوة السياسية للنظام تعتمد في وجودها وقوتها واستمرارها على التعاون الذي يقدّمه الناس ومؤسساتهم. وعليه، فإنّ الحركة اللاعنفيّة يجب أن توجّه ضرباتها إلى هذه المصادر بهدف إضعافها، الأمر الذي يؤدي لاختلال توازن النظام القائم وإضعافه.

وتجدر الإشارة إلى أن قدرة النظام على التصرّف والحكم تتقلص بقدر ازدياد عدد السكان المشاركين في الحركة الاحتجاجية. كذلك، فإن تلاشي الخوف لدى المشاركين في العمل اللاعنفي يُسرّع في إضعاف النظام، خصوصاً وأنّ استخدام العنف تجاههم هو أقصى ما يُمكن أن يقوم به لمعاقبتهم على عدم تعاونهم وعلى تمرّدهم. ومع فقدان قدرته على إلزام الناس بالتعاون معه، يفقد أبرز مصادر القوة السياسية التي يتمتع بها.
وفي ما يتعلق بأكثر الوسائل اللاعنفيّة المؤثرة وبشكل مباشر، تأتي الإضرابات الشاملة والعصيان المدني الذي يشلّ حركة المواصلات والاقتصاد بالإضافة إلى عدم التعاون الاداري مع الدولة، ما يؤدي إلى تفكيك هيكلها. أما ما يزيد من سرعة انهيار النظام، فهو تمرّد أجهزة الشرطة والأمن التي لن تستطيع الاستمرار باستخدام العنف المفرط تجاه المدنيين اللاعنفيين لفترة طويلة، ما يؤدي إلى فقدان قدرة النظام على قمع الحركة الاحتجاجيّة.

وقد تكون الثورة المصريّة في كانون الثاني 2011، والتي أدت إلى إسقاط النظام الدكتاتوري الذي حكم البلاد لعقود طويلة، أبرز نموذج حيّ عن سحب الشرعيّة ورفض التعاون مع النظام.

من جهة، احتل جزء كبير من المصريين ميدان التحرير في العاصمة المركزية، القاهرة. هناك، مكث نحو مليوني شخص لحوالى أسبوعين رافضين الخروج من الميدان قبل تحقيق مطالبهم، على الرغم من حظر التجوّل والتجمّعات الذي فرضه النظام بالإضافة إلى ما تعرضوا له من تهديد وقمع وقتل على أيدي أجهزة الأمن والميليشيات التابعة للحزب الوطني الحاكم.  استمرّت التظاهرات والإضرابات في مختلف المحافظات والمدن المصريّة. وشلّ الاقتصاد وحركة المواصلات بشكل كامل، خصوصاً مع انخراط الحركة النقابيّة والعماليّة في الحركة الاحتجاجيّة. وخلال أسبوعين، انهارت الأجهزة الأمنيّة من الشوارع، ما دفع بالنظام الحاكم للجوء إلى مأجورين بهدف قمع الاحتجاجات وممارسة كافة أشكال التنكيل بالمحتجين، محاولين إجبارهم للجوء إلى العنف. لكن قدرة الانضباط بين المحتجين كانت كبيرة. وعوضاً عن الانخراط في العنف المضاد، عملوا على تعرية النظام عبر إلقاء القبض على عدد كبير من المأجورين الذين أطلق عليهم لقب “البلطجيّة”. فصوروا اعترافاتهم وقاموا ببثها عبر المواقع الاجتماعيّة على شبكة الإنترت، من دون التعرّض بالعنف لهؤلاء.

الشعب يُريد اسقاط النظام

كذلك، نذكر كيف ناشد النظام المحتجين للعودة إلى بيوتهم واستعادة حياتهم الطبيعية، خصوصاً وأن الاقتصاد تأثر كثيراً جرّاء عمليّة الاحتجاج. وقد أتت هذه المناشدة كدعوة شبه مباشرة للتعاون من جديد مع النظام ومنحه الشرعيّة مرّة أخرى. ولكن حركة الاحتجاج السلميّة استمرّت على مواقفها حتى انهار النظام، بكامل أجهزته. وقد تكون الثورة المصريّة وتلك التونسيّة أبرز الثورات اللاعنفيّة الحديثة، التي بإمكانها أن تشكّل نموذجاً يحتذى به في العمل اللاعنفي ضد الأنظمة الدكتاتوريّة.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s