جارتي لا تُحبّ الطغاة


Source: Flickr. photo by Rundadar

اقحوانتي لا تُحب الطغاة، وكذلك جارتي. في ذلك الصباح، لم تخفِ رغبتها بنشر الغسيل، واختلاس النظر إلى نظراتي غير المكترثة. في اللحظة ذاتها، العصافير بقيت تنشد، نشيدها المفضّل “لن نرحل”.

بائع الجرائد الذي وصل للتو، لا يقرأ الجرائد التي يوزعها كل يوم. ولا حتى عناوينها، هو يُعرف أنّها مجرّد ترّهات يكتبها الذين يُعانون من الأرق.

***

السماء التي تُعاني من رُهاب العزلة، ترسم طريقها إلى المدينة، مع الضوء الخافت لسيجارة العامل الذي بدأ نهاره الشاق، بنقل الرمل إلى الطابق الثاني من المبنى الذي يعمل في بنائه.

أما جارتنا، فتستمر في ممارسة هوايتها الصباحية، دون أي تردد واضح في ملامحها الحنطيّة.

***

الهواء البارد يلفح وجه الفرّان الذي يُعدّ العجينة. لا تبدو عليه علامات التعب. هذا صباحه الأزليّ!

أضواء البلديّة مازالت مُضاءة. هي ليست وحدها في هذا الصباح الأرجواني. كأنّها خارج الخدمة. خارج المكان. هي مُضاءة رغم ارادتها. ربّما، عامل البلديّة نسي إطفائها قبل عودته إلى بيته المتواضع.

***

أحدهم يبحث عن القهوة في مطبخه. لا يجد شيئاً. لن يتمادى في تنشّق الكافيين، سيكتفي بالضوء القادم من الشمس وضوء البلديّة الأصفر. رغبة الكافيين كرغبة الاقحوان. تتمدد في شرايينه، ليصبح أكثر خفّة، أكثر عزلة.

***

سيارة تعبر ببطىء. تعكّر الأجواء. هي الحداثة عندما تستيقظ، لتتعدّى على المشهد. الصوت. الجسد. تستبيح كل شيء، حتى الصباح في ذلك الحي البسيط، من أحياء الضواحي.

***

ليست المرّة الأولى التي يسعل بها جارنا. خصوصاً، وأنّه ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان. التبغ يُساعد على الاستمرار في الحياة أيضاً.

***

لو كان محمود درويش هنا. على هذه الشرفة، في هذه اللحظة. لكان كتب “هذا الصباح لي”.

***

Source: Flickr. photo by createsimona

ويحدث أحياناً، أن لا يخرج أحد من بيته. وحدها الشمس تستمع باللحظة، دون ضوضاء الناس.

***

رغم كل شيء، تصمد جارتي، بملابسها الداخليّة، في وجه الطغاة. بصمت، تُكمل نشر الغسيل على الحبل الرمادي من على شرفتها الواسعة. اعترف: شرفتها أوسع من شرفتي التي لا تتّسع سوى لشخصين يحتسيان النبيذ في يوم مليء بالفوضى.

***

بيتهوفن لم يأتي إلى زيارة هذا الحي يوماً. ولا حتّى هيلاسيلاسي، الذي يُحبّه صديقي كثيراً. ولم يدخله من قبل جنود اسبرطة. ولم يتسكّع في شوارعه أحد الأنبياء. ولم يلعب في أزقّته بودولسكي.  هو حي، من الأرجح، أنّ الكثيرين لا يعرفون بوجوده على الكوكب. وهذا لم يمنع أسراب الطيور من القدوم كل صباح، لإضفاء بعض من القدسيّة على المكان.

***

الطيور لا تقع دائماً. فقط الطيور التي على أشكالها تقع. هذه الحقيقة عادة ما يخفيها الإعلام الرسمي التابع للأنظمة، الذي لا تُصدّقه إلا الطيور التي على أشكاله.

***

لستُ متأكداً بعد، ما إذا كانت جارتي تُصدّق الروايات الرسميّة. تجاعيد وجهها الأربعيني، لا توحي بذلك، ولكنّي لم أبلغ ذلك اليقين حتى اللحظة.

***

Source: Flickr. photo by Hanibaael

الشمس بدأت بإلقاء ظلالها على الطوابق العليا من مباني الحي. رغبة فوتوغرافيّة ما تتسلّق كاتب هذه السطور، لإلتقاط صورة صباحيّة. ولكنّي لستُ فرنسيّاً، ولا أحبّ هذا النوع من التصوير. الصور الفاقدة للحركة. والضوء الذي بدأ بالاشتداد، يقوده إلى فراشه، ليُكمل نومه الذي لم يبدأ بعد!

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “جارتي لا تُحبّ الطغاة”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s