القضيّة الأرمنيّة: وماذا عن مسؤوليّة الأرمن؟


مظاهرة أرمنيّة ضد زيارة رئيس الوزراء التركي إلى بيروت- Source: Massis Post

في 24 نيسان من كل عام، يُحيي الأرمن حيث ما وجدوا على الأرض ذكرى الإبادة الجماعيّة التي تعرّضوا إليها على أيدي العثمانيين عام 1915.

96 سنة مضت، ولم يتسرّب اليأس بعد إلى الأرمن المطالبين بإعتراف الدولة التركيّة بالإبادة. يوماً بعد آخر، يتمسّكون بهذه الذكرى التي أصبحت جزء من هويّة الدياسبورا الأرمني الموزّع في أصقاع العالم. تتربّى الأجيال الأرمنيّة، وفي وعيها الوجودي تترسّخ ذكرى الإبادة، وتأخذ أبعاداً ثقافيّة- سياسيّة وفنيّة. يولدون ويحييون بعيداً عن وطنهم، بسبب الإبادة.

جبل آرارات

وكجزء من هويّة الأرمن أيضاً، جبل آرارات الأرمني، الذي يقع ضمن الأراضي الخاضعة للسيطرة التركيّة، والذي لا يَغيب عن منزل أي أرمني. تجده في اللوحات، الصور الفوتوغرافيّة، القلاّدات، الاكسسوارات.. يُرافقهم كالإبادة، ولكنّه يبدو على الطرف النقيض منها. هي تمثّل الهزيمة، القهر، والموت. أما هو، فيبدو شامخاً، صلباً، لا يستطيع أحد إخضاعه، مرتدياً اللباس الأبيض طوال أيام السنة.

هي محاولة التماهي مع هذه الصورة القويّة، دون أن يعني ذلك ترك الذكرى الأليمة في دهاليز النسيان.

96 سنة مضت، ولم تعترف الدولة التركيّة بعد بما ارتكبه قادتها في بدايات القرن الماضي، وهذا ما يُدخل القضيّة الأرمنيّة في معضلة، يبدو أنّها غير قابلة للحل في ظل الظروف الراهنة.

***

القضيّة الأرمنيّة هي من قضايا الشرق الأوسط التي مازالت عالقة، رغم مرور قرن تقريباً عليها. وهي على تشابه كبير مع القضية الفلسطينية التي مضى عليها أكثر من 63 عاماً.

مسؤوليّة هذا الصراع / القضيّة، يتحمّل طرفاه مسؤوليّة استمراره. ولكن تختلف طبيعة وحجم تلك المسؤولية المترتّبة على كل طرف.

ملصق خاص بذكرى الإبادة الارمنيّة

من جهّة، يُعتبر النظام التركي مسؤولاً عن التهرّب من أعباء الماضي، وما ارتكبه “أجداد النظام”، عبر نفي أحداث الإبادة، والتعاطي بسلبيّة مفرطة مع القضيّة، وهذا ما يزيد العقبات أمام حلّ القضيّة.

ومن جهّة اخرى، تتحمّل الحركة القوميّة الأرمنيّة، مسؤوليّة مختلفة، بالحجم والطبيعة. فهي ارتكبت، وترتكب الكثير من الأخطاء في عملها، وطريقة تفكيرها. وهذا ما أضرّ، ويُضرّ بالقضيّة، ويجعلها تستمر في أفقها المسدود.

نزعت الحركة القوميّة الأرمنية نحو العنصرية لكل ما يمت لتركيا بصلة. فتبنّت خطاب عدائي، يحمل الكثير من الكراهيّة تجاه الأتراك، كشعب وثقافة.

والخطاب هنا، ليس السياسي فقط، بل يتعدّاه إلى الثقافة والتربية. إذ دائماً ما توصف الثقافة التركيّة بنعوت عنصريّة غير لائقة بحركة تحمل قضيّة محقّة. إضافة إلى تنشئة أجيال بأكملها، على الحقد والكراهيّة لكل ما هو تركي. رغم انحصار هذا الاسلوب التربوي في دوائر حزبيّة ضيّقة، وانحساره في مجموعات شبابيّة محددة.

وبدل أن يتم تحميل المسؤولية للنظام التركي على كل ما ارتكبه بحق الأرمن (وغيرهم)، والسعي لمد اليد إلى الشعب التركي، لحلّ هذه القضيّة العالقة بوعي، ونقاش، وهدوء، فهي تحمل خطاباً أيدلولوجيّاً قوميّاً مغلقاً، يحمل الكثير من الكراهيّة للشعب، وهذا ما يزيد من المسألة تعقيداً.

لم تستطع الحركات القوميّة الأرمنيّة، خصوصاً الموجودة في الدياسبورا، تجاوز ردّة الفعل الأولى، أي الغضب على كل ما هو تركي. وبقيَت عالقة هناك، دون أن تنتقل للخطوة التالية، وهي إيجاد “فِعِل” يُساهم بنقل القضيّة إلى مستوى آخر. نقل الغضب تجاه الأتراك، كشعب وثقافة، وحصره بالنظام الذي يتحمّل مسؤوليّة الاعتراف بالإبادة.

***

من الإبادة

تُعتبر الإبادة، من الأحداث المحظّر التداولها بها داخل الأراضي التركية. وهي تغيب عن كتب التاريخ، الإعلام، النقاشات، والأعمال الأكاديمية، وبالتالي نسبة أن يعرف المواطن التركي بما ارتكبه نظامه في بدايات القرن الماضي هي ضئيلة نسبياً.

كما أنّ كل تركي يُحاول إثارة مسألة الإبادة يُجابه بالتخوين والهجوم من قِبل أركان النظام، ولكن هذا لم يمنع من نشوء عدد من المبادرات المدنيّة، أطلقها مفكرون، مؤرخون، صحافيون، وناشطون أتراك، تُطالب النظام بالاعتراف بالإبادة، والاتجاه نحو حلّ هذه القضيّة.

وإذا ما أرادت الحركة الأرمنية، أن تبحث عن حل حقيقي لقضيتها، عليها أن تعمل على مستويات عدّة في نضالها.

من جهّة، عليها أن تتوجه إلى ذلك الشعب لتُخبره بحقيقة الأحداث، وتوعيته، وكسب تأييده، بدل حمل خطاب الكراهيّة الأعمى، وتعميمه ليُصبح حالة عنصريّة متفشّية، في المجتمع وثقافته. ولأنّ الكراهيّة لن تقود إلاّ إلى كراهيّة مضادة، فهذا التوجّه يوسّع الهوّة بين الشعبين، ويُدخل القضيّة في أفق مسدود.

ويجب على الحركة الأرمنيّة، أن تُلاقي المبادرات التركيّة “المتمرّدة”، والداعمة للقضيّة الأرمنيّة، بجديّة أكبر، وأن تتلقّفها وتدعمها، وتُثمّرها في نضالها، بدل التعامل مع تركيا، شعباً ونظاماً، ككتلة واحدة لا تتجزأ، ولا تنفصل.

وكذلك الأمر، بالنسبة للنظام التركي، فإنّ استمراره برفض الاعتراف بالإبادة، وملاحقته لكل صحافي، سياسي، وناشط تركي يتناول المسألة أمام الرأي العام لن يُجدي بطيّ صفحة الإبادة. وكذلك بالنسبة للمجموعات  القوميّة التركيّة المتطرفة، المدعومة من النظام، التي مارست الاغتيال السياسي بحق مُثيري القضيّة، وقد يكون اغتيال الصحافي التركي من أصل أرمني هرانت دينك، عام 2007، الذي عرف بكتاباته حول الإبادة الأرمنيّة، أبرز مثال على ذلك. هذه الأفعال تزيد من المسألة تعقيداً وسوءاً.

رغم سوداويّة المشهد، هناك من “تمرّد” على الأطر المغلقة، من الأرمن والأتراك، وبدأت تخرج مبادرات ثقافيّة- فنيّة تُحاول خلق مساحة مشتركة بين الشعبين، عاملةً على ردم الهوّة بينهما، بعيداً عن الكراهيّة المتبادلة، ومُصرّة على نزع الاعتراف بالإبادة من النظام التركي. وتجربة الشابين، الأرمني التركي روبير كوبتاش، والتركي أوزهان اوندرج، هي إحدى المبادرات الثقافيّة التي تبحث عن حل حقيقي وجذري للقضيّة، بعيداً عن الأيديولوجيات القوميّة والكراهيّة المتبادلة.

***

 الخريطة السياسيّة الأرمنيّة

يتمتّع أرمن لبنان بتنوّع حزبي وسياسي لا بأس به. 3 أحزاب رئيسيّة تتنافس لكسب التاييد الأرمني، وهي على الشكل التالي:

–       حزب الطاشناق، ذو الخلفيّة القومية الاشتراكيّة، يتمتّع بشعبيّة كبيرة في الأوساط الأرمنيّة. وهو امتداد للحركة القومية الارمنيّة العالمية.

–       حزب الهانشاك، ذو التوجّه اليساري، يُعتبر ثاني أكبر الأحزاب الأرمنيّة، رغم انحسار شعبيّته في العقدين الأخيرين. قاتل إلى جانب الحركة الوطنية اليساريّة في لبنان أثناء الحرب الأهلية 1975-1990.

–       حزب الرمغافار، توجّهه ليبرالي وطني، أما امتداده الشعبي فهو محدود جداً.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “القضيّة الأرمنيّة: وماذا عن مسؤوليّة الأرمن؟”

  1. Dear friend,

    I admire your interest in the Armenian Cause. After all, it’s a humanitarian issue.
    But although you highlighted on many factual issues, allow me to give my modest opinion about some of the ideas expressed in your article.
    When you talk negatively about the amount of hatred of the Armenian people against the Turks, you are ignoring the important fact that the majority of the Turks support the official denial policy of their regime. It’s not like the big part of the population is sympathizing with our Cause, and we’re rejecting their sympathy. It’s exactly the contrary.
    As for those few Turks who are daring to break the silence, we cannot but respect their courage. Even Armenian organizations are in contact with them. But in this case, we must also be aware that there’s a thin line separating the Turks who truly believe in the Armenian Cause, and those who show sympathy for other reasons, such as defying the regime, or gaining international fame, or altering some of the Truth.
    Talking about the hatred against Turkish culture, I am sure that you know how the U.S.A. invaded the world with its Hollywood and Hamburgers. And look at the similarity with the Turkish invasion of the Arab world. So speaking against Turkish culture is not a racist act. In fact, it is a patriotic struggle that our Arab brothers should undertake.

    Regards.

    أعجبني

    1. تحياتي رفايل،
      بشكرك ع رأيك، وتعليقك.
      فيما يتعلق بأن غالبية الأتراك مؤيدين للنظام التركي، وبالتالي يؤيدون النظام بموقفه من الإبادة، فهذا ليس من المستغرب أن يؤيد الشعب للنظام خصوصاً وأنّ الشعب على الارجح لم يسمع سوى الرواية الرسمية للإبادة، ولم يسمع على الأغلب وجهة نظر الأرمن. خصوصاً وأن النظام التركي يعاقب كل من يُثير مسألة الإبادة.
      وبالتالي، الرد لا يكون بالخطاب العنصري تجاه الاتراك، بل يكون عبر مخاطبتهم وإخبارهم الجزء الذي لا تريد الدولة التركية أن تخبره لشعبها.

      الطريق مازالت طويلة..

      تحياتي رافايل

      أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s