أثينا السوداء: عودة تانيث (4/4)


الأحاديّة تحتل المشهد العربي برمّته. ذهنيّة لا تتحمّل التعدديّة والتنوّع. ذهنيّة “الذمية” تستولي على الثقافة. أنظمة الحزب الواحد، التي تحمل الفكر القومي العربي وغيرها، تسعى إلى تعريب كل شيء، وإلغاء الثقافات والإثنيّات الغير عربيّة. لا تتحمّل وجود أحزاب لديها رؤى مختلفة للإنسان، المجتمع والحياة. ترفض التعدديّة السياسيّة. وتخوّن كل معارض لأنظمتها. ترفض أن يشاركها طرف آخر في السلطة. هي أحزاب قوميّة تحكم بقبضة من حديد. وتحوّل كل “آخر” إلى ذمّي ثقافي، سياسي وإجتماعي.

مشهد متكرر في العالم العربي

وحيث تغيب سلطة الحزب الواحد، يحتل الدين المشهد. الدين الذي لا يؤمن بالتسامح، والتعدد الفكري والثقافي. يحكم كل الأقليّات الأخرى، من دينيّة، إثنيّة وثقافيّة، كأبناء ذمّة. كأنصاف مواطنين، عليهم حقوق وليس لديهم واجبات. يكفّر كل من يحمل رؤية مختلفة عنه. يحكم المجتمع بنصوص دينيّة “مقدّسة” لا تصلح حتّى للقرون الوسطى. وبإسم الرب، العابس دائماً، “يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر”. يقتل الدين وحركاته السياسيّة كل تعدد فكري، أو أي خارج عن الرؤية الدينية التي يملكها، محوّلاً بذلك كل أقليّة في المجتمع إلى مجرّد مجموعة ذميّة تلتزم بما أرادته لها السلطة الدينيّة-السياسيّة.

وأحياناً، يتحالف نظام الحزب الواحد، (أو العشيرة الواحدة، أو العائلة الحاكمة) مع الدين القروسطي. ليكتمل مشهد القمع من كل جوانبه. وهذه الصيغة تأخذ حيّزاً واسعاً في عدد لا بأس به من الدول العربية، خصوصاً مع تراجع أنظمة الحزب الواحد عن رفع الشعارات العلمانيّة، ومحاولتها التقرّب من “المزاج الشعبي” عبر تبنّي الشريعة الإسلامية كمصدر للحكم. وقد تعتبر مصر أبرز نموذج حالي يعبّر عن هذه الحالة. هناك، تُقمع الأقليّات، تارّة بحجج سياسيّة، وتارّة اخرى بحجج دينيّة. وأحداث الإسكندرية الأخيرة، تختصر المشهد المصري.

متى نخرج من العصور الظلامية؟

نحن ثقافات لا تؤمن بوجود المختلفين. لا مكان للتسامح بيننا. نكره قوس القزح. ونعشق اللون الواحد. وعلى ما يبدو أنّ هذا اللون الذي نعشق هو: الأسود القاتم.

نحن مجتمعات تعتبر التعددية الثقافيّة والفكريّة خيانة وكفراً. ودول متسلّطة تحوّل المجتمع إلى مجموعة أقليّات مهمّشة لا حقوق مدنيّة وسياسيّة لها. وأنظمة لا تؤمن بحريّة الأفراد والجماعات. تحظّر العمل السياسي، وتقمع الحريّات العامة بكل أشكالها.

الطحالب تنهش العالم العربي

في هذا الصدد، أسئلة كثيرة تُطرح. هل سيأتي يوم، ويخرج فيه العالم العربي من العصور الظلاميّة إلى عصور التنوير؟

المسألة ليست سياسيّة بحت. والحل لا يكون فقط بتبنّي النظام المدني الذي يُساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، والذي يُحافظ على التعدد والتنوّع الثقافي- الإجتماعي، والذي يضمن الحريّات العامة للشعب بغض النظر عن لونهم، لغتهم وثقافتهم.

لتستطيع المجتمعات القابعة ما بين المحيط والخليج بناء أنظمة سياسيّة مدنيّة عليها قبل ذلك إعادة النظر بثقافتها القائمة على رفض الآخر (والآخرين) والمختلفين. وعدم معاملتهم على أنّهم أنصاف بشر، أي كذميّين دينيّاً، وسياسيّاً وإجتماعيّاً.

متى ينتهي هذا المشهد؟

في اليوم، الذي تستطيع فيه المرأة رفض أوامر السلطة الدينيّة دون أن يعني ذلك موتها. وفي اليوم، الذي يستطيع فيها الأمازيغي بالتحدّث بلغّته دون أن يعني ذلك ملاحقته، وسجنه. وفي اليوم الذي يُعتبر فيه الكردي مواطناً كاملاً له حقوقه في بلاده. وفي اليوم، الذي يستطيع فيه المثليّ أن يعلن مثليّته دون ان يعني ذلك موته. وفي اليوم الذي يشهر فيه الملحد إلحاده دون الخوف من القتل على يد “المؤمنين”. وفي اليوم، الذي يحصل فيه العامل الأجنبي في بلادنا على حقوقه. وفي اليوم، الذي نتوقّف فيه عن إتّهام الدول الغربيّة، والآخرين، بكل ما يُمارس من ترهيب تجاه الأقليّات، وإعتبار أنّ هذا الترهيب هو ليس إلاّ مؤامرة غربيّة. وفي اليوم، الذي نتوقّف فيه عن إعتبار الحركات الإسلامية الفاشيّة المنتشرة كالسرطان في العالم العربي بأنّها مجرّد دمية بيد المخابرات الغربيّة، وننظر إليها على إنّها من إفرازات الثقافة التي ترفض وجود التنوّع والتعدد. وفي اليوم، الذي نتوقّف فيه عن الهروب من الحقيقة، والتصرّف كالنعامة، إلى مواجهة الواقع ومعالجته. وفي اليوم، الذي نعترف فيه بأنّ الخلل هو في ثقافتنا، وليس في مكان آخر، نكون بذلك مشينا الخطوة الأولى نحو الضوء. نحو التنوير، الذي لا بدّ أن يأتي على أيدي المتمرّدين، الخارجين عن الإطار، في العالم العربي.

***

هنا، تجدون بعض العبارات المفضّلة للأنظمة العربية، وقوى الأمر الواقع  (تيّارات سياسيّة-دينيّة) من أجل الدفاع عن سياساتها بقمع الحريّات العامة، ابتداءً من قمع حريّة التعبير والمعتقد وصولاً إلى قمع الأقليّات والمختلفين. كما ويستخدم هذه العبارات المؤمنين بالمؤامرة المُحاكة على العالم العربي وهويّته، ومنها:

“نحن في منعطف تاريخي”.

“لحظة مصيريّة”.

“هذا ليس التوقيت المناسب لمعالجة هذه الأزمة”.

“توقيت فتح هذا الملف هو توقيت مشبوه”.

“علينا مواجهة المؤامرات أولاً، ولاحقاً نُعالج الأزمات الاخرى”.

“الحركات الأصوليّة الإسلاميّة تديرها المخابرات الأميركية والغربية”.

“الحق على الغرب”.

“هذه هجمة غربيّة على العالم العربي”.

“الغرب يتمدد في بلادنا عبر هؤلاء المتآمرين”.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

8 thoughts on “أثينا السوداء: عودة تانيث (4/4)”

  1. اوافق علي افكار المقال الت اراها تعبير عما يجول في صدر المتنورين في بلادنا .ان الموقف معقد تماماوالاوراق مختلطه و اصبح الجهال يحكمون و الامور كلها بيدهم. الشيوخ يقهرون العلماء و المفكرين و يرهبونهم بافكار معلبه تجد لها كل التايد الاعمي الغبي من العامه و البسطاء. نحن نعيش ايام محاكم التفتيش
    نحاسب علي اقوالنا و نياتنا ويحكم علينا بدخول جهنم لمجرد اننا ناتي بجديد او حتي نختلف ولكن اسوا مافي الامر ان الشعوب نفسها اصبحت تستحلي وتستمريء الافعال الجاهله و تقاوم بشده كل جديد فنجد متلا تعاون الاغلبيه المسلمه و اتحادها و تايدها لقمع الاقباط في مصر بل وصل الامر ان يتعاون الافراد مع الشرطه في قمه احتجاجات الاقباط ان فكره التوحد في المعتدي اصبحت وارده في تلك البلاد و هدا ليس الا متلا اسوقه بل نجده في انحاء كثيره متل السودان و لبنان وسوريه و الاردن
    ان تعريب الحياه و فرض انماط دينيه وحياتيه علي جماعات مخلفه لهو نوع من الاستعمار الاستيطاني لن اطيل لاني اعرف تماما انكم من الفطنه و الذكاء لتفهمي

    أعجبني

  2. هذا ما يقال عنه شر البلية ما يضحك …………….

    دائما و ابدا الدول العربية ليس لديها الوقت الكافي و ان اي مبادرة لتحسين وتطوير الاوضاع المدنية والحياتية يعتبر مضيعة للوقت ليت عناك من يقول لي ما هذا الشئ اللذيي هو اهم من الشؤون المدنية وتطوير المجتمع ليرتقي ليصب الفرد الخاضع المستعبد ليحصل على لقب مواطن…….

    بي شرفكن شو هال شي اللي دايما مشغولين فية غير عد المصاري وصابيع الاجرين….؟

    أعجبني

    1. نهال، زمان يا صبية،
      دايماً مشغولين باشيا اهم بكتير من الاوضاع المدنية والحياتية للناس.. مشغولين بعدد الحوريات بالجنة.

      تحياتي صبية.

      أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s