أثينا السوداء: قمع الأقليّات الفكريّة، الجندريّة وغيرها (3/4)


في مجتمعات تحكمها أنظمة الحزب الواحد الفاشيّة، وفكر ديني من مخلّفات القرون الوسطى، وتتجذّر فيه البطريركيّة الذكوريّة حتى “النخاع”، لا يتوقّف فيه القمع على الأقليّات الدينيّة والثقافيّة والإثنيّة. فهو يمتد ليطال أقليّات وفئات إجتماعيّة أخرى، على أساس الجندر، الميل الجنسي، أو حتّى اللون.

فنتيجة لكل هذه الخلطة الهجينة التي تحكم مجتمعاتنا، وتكبّل حركته وحريّته، تعتبر المرأة أكثر المتعرّضين للإضطهاد والتمييز الإجتماعي والسياسي، غم أنّها ليست أقليّة على الصعيد العددي. أحياناً، يقمعها التسلّط الذكوري. وأحياناً، يعذّبها رجال الأمن. ودائماً، يخنقها الدين بفتاوى وتشريعات يخجل منها الإنسان.

 

من اعتصام الحركة المثلية في بيروت عام 2009- المصدر: Associated press

أما المثليّون، فُهم، مجرمون بحسب قوانين الدول العربيّة، وتصل عقوبة المثليّة في بعضها إلى الإعدام. هي أكثر الفئات المقموعة والمنبوذة في هذه المجتمعات، لذا يلجأ هؤلاء للعيش في الظل والخفاء بعيداً عن أعين السلطات بكل أشكالها.

ولكن في السنوات الخمس الأخيرة، بدأت تلك الفئات بالخروج من الخزانة، خصوصاً مع تأسيس أوّل منظمة (حلم) تعنى بحقوق المثليين وحمايتهم في بيروت. وقد استطاعت الحركة المثليّة في بيروت من إدخال “17 أيار: اليوم العالمي لمكافحة رهاب المثليّة” إلى أدبيّات المدينة. ولم يقتصر تأثير الحركة على لبنان، بل تعدّاه إلى العالم العربي، وقد لعبت الحركة دور المحرّض للمثليين العرب، الذين بدأوا يخرجون من الخزانة، مطالبين بحقوقهم، كمواطنين، رافضين تعاطي المجتمعات والسلطات معهم كمذنبين ومجرمين بسبب ميولهم الجنسيّة.

حتى اليوم، تقتصر الحركة المثليّة العربيّة على العمل الألكتروني، حيث تنتشر العشرات من المدوّنات والمجموعات الألكترونيّة المثليّة التي تدافع عن المثليّين وتطالب بحقوقهم.

إضافة إلى هؤلاء، أقليّة أخرى مهمّشة ومقموعة تنتشر في جميع الدول العربيّة. وهي الشريحة التي تتبع المذاهب الروحيّة الغير سماويّة، إضافة إلى العلمانيون، اللادينيون، والملحدون.

تلك الفئة التي يمكن تصنيفها بالمغايرة فكريّاً، تُعامل على أنّها مذنبة، او متمرّدة، او كافرة. فالسلطات السياسيّة تُحارب العلمانيّة خصوصاً مع إتّجاه الانظمة العربيّة للإقتراب من المزاج الشعبي المتديّن، وعدم إزعاج الحركات الإسلاميّة المتصاعدة. أما أتباع المذاهب الروحيّة الغير سماويّة، فهُم على الأغلب يصنّفون ضمن إطار “المشركين” خصوصاً وأنّهم ليسوا بالضرورة من دعاة “التوحيد الآلهي”. أما فيما يتعلّق باللادينيون والملحدون فهؤلاء يُدانون من صفاتهم الفكريّة. ولنعرف مصير تلك الفئة يُمكن مراجعة أحكام الشريعة الإسلامية بخصوص المرتدّين، الزنادقة، المشركون، العلمانيّون، والملحدون.

فأن تحمل أفكاراً مغايرة في المجتمعات القابعة ما بين المحيط والخليج، هذا يعرّضك للملاحقة من قِبل السلطات السياسيّة والدينيّة التي إن لم تكن قانونيّة فهي سلطة أمر واقع. لذا، ليس من المستغرب أن تلجأ تلك الفئة إلى الإعلان عن ذاتها، دون الإفصاح عن هويّتها. ومن يريد التعرّف على أفكار وهواجس تلك الفئة يمكنه بجولة على الفضاء الالكتروني العربي، الوصول إلى عشرات المدوّنات “المغايرة” التي تُشهر أفكارها بوجه السلطات السياسيّة والدينيّة. وقد قام منذ فترة، بعض الناشطين المجهولي الهويّة، بتجميع كل المدوّنات العربيّة “الحرّة” في بوابة الكترونية واحدة: “بوابة المدوّنون الاحرار”.

من حملة الدفاع عن حقوق العمال الاجانب في بيروت

وإلى تلك الأقليّات المهمّشة والمقموعة، تنتمي أقليّة اخرى: العمال الأجانب. وقد تعتبر دول الخليج ولبنان أكثر الدول العربيّة المسيئة لليد العاملة الأجنبيّة. في تلك البلاد، العامل الاجبني هو مجرّد رقم. لا حقوق له. لا قوانين تحمي حياته وعمله، وإن وُجدت فهي مجرّد حبر على ورق لتظهير صورة النظام أمام “المنظمات الحقوقيّة الدوليّة”. هنا، تُساء معاملة العامل الاجنبي بأبشع الأشكال. يعيش في أسوأ ظروف الحياة، واحياناً يتعرّض للقتل، دون ان يُحاسب من قتله.

هذه الأقليّة عددها يصل إلى الملايين، ولكن لا أحد يلتفت إليهم. منذ عدّة سنوات، بدأت المنظّمات الحقوقيّة في بيروت تسعى لحماية تلك الأقليّة من التعسّف الإجتماعي والقانوني، ولكن عملها مازال محصوراً، ومحدوداً.

(في الحلقة القادمة، نختتم سلسلة “أثينا السوداء” بعدد من الخلاصات)

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “أثينا السوداء: قمع الأقليّات الفكريّة، الجندريّة وغيرها (3/4)”

  1. لكن لدي استفسار عن المثليين جنسيا ..وبعيدا عن رأي الأديان كلها ..ما هو الوضع الطبيعي الذي يرغب في الوصول إليه هؤلاء المثليون في رأيك؟ أعني أن الزواج في جميع الأديان والأعراف هو الوضع الطبيعي للغريزة الفطرية لدى الإنسان ، الغريزة التي ولد بها جميع الناس – او لنقل الطبيعيين منهم – على اختلاف اديانهم واعراقهم وجنسهم ..لو تم تخصيص حقوق بعينها للمثليين فهل ستوافق حقا على ظهور نوع من التزاوج بينهم؟ وما نتاج هذا التزاوج الذي لن يثمر عن زيادة النسل او تحقيق اغراض اجتماعية كبناء الاسرة غيرها؟ هل هو مجرد إشباع غريزة عبثي؟
    برأيي ان هذا يعتبر انحرافا عن الفطرة ، واي انحراف عن الفطرة لا يجب ان يتحول إلى وضع طبيعي ، يمكنك ان تقيس ذلك على اشياء كثيرة في المجتمع ..المثليون يجب ان يصنفوا على انهم ” منحرفين فطريا ” وليس اقلية مضطهدة يجب ان تحصل على حقوقها

    شكرا لسعة صدرك واتمنى ان تتقبل رأيي بصدر رحب =)
    تحياتي

    أعجبني

  2. تحياتي غفران،
    شكراً لاستفسارك واسئلتك اللي هي طبعاً جزء دائم من النقاشات حول حقوق المثليين والمختلفين جنسياً.

    المسألة هي ليست بتخصيص حقوق خاصة بالمثليين، المطلوب بالحد الأدنى التعامل مع المثليين والمختلفين جنسياً على انهم مواطنون مثلهم مثل أي مواطن آخر له حقوق وواجبات.
    في العالم العربي، المثليون هم مجرمون في نظر القانون. وتتراوح نسبة التجريم بين دولة واخرى. في السعودية مثلاً يتم اعدام المثليين جنسياً لمجرّد أنهم مثليين، بينما في لبنان بان المثلي (ة) يتعرّضون للسجن بمجرّد أنهم “مثليون”.

    ليس من حق احد التدخّل في الهويّة الجنسيّة / والميول الجنسيّة لأي فرد. وبالتالي اعتبار المثليون والمختلفون جنسياً مجرمون هذا احد اشكال التمييز والظلم بحق شريحة من المجتمع على اسس جندريّة وجنسيّة.

    طبعاً في مجتمعات العالم العربي مازال النقاش حول حقوق المثليين محصور بالحد الادنى من الحقوق، واعتبارهم مواطنون مثلهم مثل غيرهم من المواطنين. بينما في المجتمعات الاوروبيّة والولايات المتحدة فقد اصبح النقاش حول حقوق المثليين متقدم نسبياً وهو يتناول مسألة الزواج وتأسيس الاسرة.

    فيما يتعلق بزواج المثليين واستمرار النسل، طبعاً النسل البشري سيستمر وهو غير مرتبط بالمثليّة، فالمثليّة موجودة منذ فجر التاريخ، وللاسف اعدادنا على الكوكب تزداد عام بعد عام.. وبالتالي أي ربط بين استمرار النسل البشري والمثليّة هو غير واقعي.

    تحياتي غفران، واهلاً فيكي عن جديد على صفحات المدونة🙂

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s