أثينا السوداء: المشرق العربي (1/4)


مع نهاية عام 2010، ودخولنا عام 2011. حدثان كبيران يحملان رمزيّتهما على أصعدة عدّة. الأول، تحقيق حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة نصراً جديداً، بعد إلغاء سياسة “لا تسل، لا تقل”، التي كانت تمنع المثليين والمثليات من الإنضمام إلى الجيش الأميركي . والثاني أحداث تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية (مصر) والتي أدّت إلى عشرات القتلى والجرحى. هذان الحدثان يفتحان أسئلة كثيرة حول وضع المختلفين والأقليّات داخل المجتمعات.

سلسلة “أثينا السوداء”، تُحاول، على أربع حلقات، الإضاءة على وضع الأقليّات الثقافيّة، الدينيّة والإثنيّة في العالم العربي.

منذ أربعينيّات القرن الماضي، والأميركيون يعملون على “تنظيف” قوانينهم من القمع والعنصريّة تجاه الأقليّات الإثنية والعرقيّة. من التعامل مع الأفارقة الأميركيين (السود) وصولاً إلى الأميركيين من أصل ياباني (وآسيوي عموماً). واليوم، تقدّم جديد تحرزه حركة الحقوق المدنيّة في قضيّة حقوق المثليين، الذين كانوا مضطرّين إخفاء ميولهم الجنسيّة خوفاً من فقدان عملهم.

من الحملة ضد القانون التعسّفي

لفتني مقال للكاتب الأميركي، الذي ينتمي إلى التيار التحرري، ريتشارد بارد، نشر في جريدة الأخبار البيروتيّة، حول إلغاء سياسة “لا تسل، لا تقل”، وهذه مقتطفات منه:

“لقد قمت بقراءات عدّة في الأشهر الأخيرة عن النصف الأول من القرن العشرين، وخصوصاً الفترة الممتدة من بداية الثلاثينيات إلى أواخر الخمسينيات. من الجليّ أنّ هناك الكثير مما يجعلنا نفخر بتلك الفترة، وخصوصاً كيف احتشدت الأمة كلها لربح الحرب العالمية الثانية. لكن هذه الفترة أيضاً حفلت ببعض الأفعال المخجلة والمثيرة للغضب من الولايات المتحدة ومواطنيها، تجعلنا نتساءل كيف لم نتعلم الدرس حيال قمع الأقليات. لقد فعلنا أموراً ستجعل «حزب الشاي» يحمرّ خجلاً (ربما لا…) منها إرسال الأميركيين من أصول يابانية إلى مخيمات الاعتقال، إلى المعاملة السيئة تجاه الأميركيين السود، وخصوصاً أولئك الذين خدموا في القوات المسلحة”.

ويعتبر أنّ المسألة متعلّقة بكيف تتعامل البلاد مع الأشخاص المختلفين:

“ربما كنا قد ربحنا معركة «لا تسل، لا تقل»، لكن يبدو لي أنّه لا يزال هناك الكثير لفعله في ما يتعلق بالسؤال الأكبر عن الطريقة التي نعامل بها، كأمة، الأشخاص الذين نراهم مختلفين عنا.
أظن أنّ جزءاً كبيراً من هذه المشكلة يعود إلى آلة الدعاية اليمينية، التي تخلق بيئة يزدهر فيها عدم التسامح”.

” بالنسبة إليّ، لا يتعلق الموضوع بنسبة تنوّرنا التي تخولنا أن نسمح للأميركيين المثليين والمثليات بخدمة بلادهم، لكن بكيف كنا بطيئين في التوقف عن قمع مجموعة لأنّ أعضاءها مختلفون. ونحن نستمر في السماح بالمعاملة السيئة للمثليين والمثليات بطريقة قد تبدو غير مقبولة للأقليات العرقية، الدينية والإثنية. هذا يذكرني بأنّنا بدونا كمن لم يتعلم شيئاً من معاملتنا الممأسسة السيئة للسود، الأميركيين من أصل ياباني وغيرهم في الثلاثينيات، الأربعينيات والخمسينيات.”

***

لنخرج قليلاً من الولايات المتحدة. لنعود إلى وضع الأقليّات الإثنيّة والدينيّة وغيرها في السجن العربي الكبير، الممتد من المحيط إلى الخليج؟

في المشرق العربي

نبدأ من المشرق العربي. موطن الأنظمة القوميّة العربيّة التي، نعرف جيّداً، كيف تعاملت، وتتعامل مع كل الشرائح التي لا تنطق بالعربيّة، أو التي تعود جذورها إلى أصول غير عربيّة. حتى يومنا هذا، لم يحصل عدد كبير من أكراد سوريا على الجنسيّة السوريّة، ويُعاملون كأنصاف مواطنين، أو بالأحرى كمجرّد لاجئين لا حقوق لهم. أما المواطنون الذين لديهم الحظ بالولادة في الطائفة العلويّة فهُم يحصلون على إمتيازات على كافة الأصعدة: السياسية، الإقتصادية، والقضائيّة والامنيّة.

يحلم بوطن كردي

على الحدود الغربيّة لسوريا، حكم حزب البعث العربي الإشتراكي في العراق لعدّة عقود. لم يكن حاله أفضل من البعث السوري. فقد مارس القمع تجاه الأقليّات الدينية والإثنية، كالشيعة والاكراد وغيرهم. أبرز ما قام به النظام السابق هو محاولة طمس الهويّة الكرديّة عبر تعريب المناطق الكرديّة، أي طرد ممنهج للأكراد من مناطقهم، وإسكان مجموعات “عربيّة” مكانهم.

والحرب الطائفيّة المندلعة في العراق، منذ الإجتياح الأميركي للبلاد وسقوط النظام البعثي، ليست إلاّ نتيجة “طبيعيّة” لسياسات “عروبيّة” عنصريّة زادت من الحقن الطائفي بين الفئات المختلفة. واليوم، تطرح مسألة “الوجود المسيحي في العراق” بشكل مصيري، خصوصاً مع نشوء تيّار إسلامي فاشي في العراق يعمل على “تهجير المسيحيين من بلاد الرافدين”.

أما في لبنان، الذي يُعتبر بلد الأقليّات، فهو يُمارس التمييز على أسس جندريّة وثقافيّة، إضافة للتمييز تجاه اللاجئين الفلسطينيين. لا تزال المرأة اللبنانية تتعرّض للتمييز حتى يومنا هذا، وهي لا تستطيع منح أولادها الجنسيّة اللبنانية. والمثليون، طبعاً، هم مجرمون بسبب هويّتهم الجنسيّة، إذ تجرّمهم المادة 534 من القانون اللبناني، التي تعتبر المثليّة “مُجامعة على خلاف الطبيعة”. وقد بدأت الحركة المثليّة في بيروت بالنضال من أجل إلغاء هذه المادة من القانون اللبناني.

وفيما يتعلّق باللاجئين الفلسطينيين، الذين مرّ أكثر من نصف قرن على وجودهم على الأراضي اللبنانية، فهُم لم يحصلوا إلى الآن، على الحد الادنى من الحقوق المدنيّة الإنسانيّة. وتعمل العديد من المنظمات المدنيّة اللبنانية والفلسطينيّة من أجل حصول الفلسطينيين على حقوقهم الإنسانيّة والمدنيّة.

اما العمال الأجانب فهُم يتعرّضون لعنصرية واسعة من الدولة والمجتمع. إذ تغيب التشريعات التي تحمي هؤلاء، وتنظّم عملهم. وحسب تقارير حقوقيّة، فإنّ عاملة أجنبيّة واحدة على الأقل تنتحر، او تُقتل، كل أسبوع في لبنان. وطبعاً، لم يتم معاقبة أي قاتل حتى هذا اليوم.

في فلسطين المحتلة، لا يختلف قمع الأقليّات عن سائر دول المشرق. بعد سيطرة حركة حماس الإسلاميّة على قطاع غزّة عام 2007، تحوّل القطاع إلى شبه إمارة إسلاميّة. فرضت الحركة الجلباب الإسلامي كزي شرعي على طالبات المدارس والحجاب على المحاميات في محاكم غزة. إضافة إلى اقتصار الأعياد المسيحيّة على الحد الأدنى من الطقوس المقصورة على الكنيسة والمنازل، إذ منعت الحركة الإسلاميّة الظهور العلني للأعياد المسيحيّة، فتم منع تزيين الشوارع الرئيسيّة في المدينة أثناء الأعياد المسيحيّة، عدا تحوّل المسيحيين هناك إلى أشبه أهل ذمّة في ظل حكم إسلامي متشدد.

كما وتعمل الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة التابعة للحركة  على خطف واعتقال كل من تشتبه بأنّه معارض للحكم الإسلامي في القطاع. يُذكر أنّ هذه السياسات التعسّفية جُبهت بالرفض حتّى من المنظّمات التي تعتبر حليفة للحركة الإسلامية، خصوصاً من قبل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تعتبر أبرز منظمة يسارية مقاومة في فلسطين.

وفي الضفة الغربية، حيث تحكم منظّمة التحرير الفلسطينية، لا يختلف المشهد القمعي عن غزة. ولكن هناك، يطغى البُعُد السياسي على القمع، إذ تقوم المنظمة بإعتقال كل من يُشبته بأنّه معارض للسلطة، أو بأنّه على علاقة بحركة حماس، أو حتّى مشارك بأعمال المقاومة ضد الإحتلال الإسرائيلي. هي ذهنيّة الحزب الواحد تحكم في غزّة والضفّة الغربية.

يُعرف عن المشرق العربي بأنّه فسيفساء ثقافيّة متنوّعة، ولكن هذا التعدد والتنوّع آخذ بالتآكل والتراجع، خصوصاً مع الذهنيّة العروبيّة، التي حكمت هذه المجتمعات. ومع تراجع الحركات اليساريّة والعلمانيّة في المشرق، أخذت التيارات الإسلاميّة مكانها. ملأت الفراغ بفراغ آخر. فراغ بلون الأسود، يرفض التعايش مع الآخر، ويحوّل المشرق إلى صحراء كبيرة. ونموذجي التيار الإسلامي في العراق وقطاع غزّة يعبّران عن عمق توجّهات ذلك التيار. وهو يتمدد في روح المشرق!

(في الحلقة القادمة، سنتناول أوضاع الأقليّات في بلاد النيل، المغرب العربي، والخليج العربي)

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “أثينا السوداء: المشرق العربي (1/4)”

  1. أخـي وصديقـي الكريم هانيبعل !
    أهنئــك بالعام الجديد.. فليحفظك المعلمون الكبار الراصدون لمصائر هذا العالم من قمم الشمبالا…
    عودتنا دائماً على مقالاتك الرائعـة والتي تخبط في سكون بحيراتنا العكرة.على جدران ا السجن العربي الكبير من المحيط للخليج.. شكراُ لك ، ولقلمك
    شمال القفقاس / روســـيا

    أعجبني

    1. ايها الشركسي الصديق،
      بتمنى تكون هالسنة جميلة الك وللي بتحبهم. بشكرك على تعليقك الهادىء.

      وبانتظارك دايماً. هيدي مدونتك🙂

      أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s