باتايا: «أيقونة الأضداد» التي لا تهدأ


المدن حين نراها للمرة الأولى

“Good man go to Heaven, Bad man go to Pattaya”

هاني نعيم

هنا أرض الحريّة، تايلند. (thai تعني الحريّة باللغة التايلنديّة). البلاد التي لا تنام. وقد تكون مدينة باتايا أكثر المدن صخباً، ليس في تايلند وحدها، بل في العالم أجمع. المدينة التي لا تغفو، وليس ذلك المعنى المجازي للكلمة فحسب.

هنا، في باتايا، الوقت تتشاركه المعابد البوذية الدافئة والنوادي الليليّة المعتمة. لا شيء يفصل بينهما سوى بضع عشرات من الأمتار. فالبوذيّة لا تحتقر الفرح، والجنون.

والتسامح في كل مكان!

***

تبيع الورود لعشّاق المدينة. نشرت في جريدة السفير. by Hanibaael

الجميع، في باتايا، متساوون، رغم العيون الغارقة في الطيبة والفقر. كل ثقافة لها موقعها، زاويتها، وشارعها. في الحي الشرق أوسطي، ازدحام دائم. يبدو أنّ الشرق أوسطيين، من عرب، فرس وأتراك، لا يستطيعون العيش خارج الازدحام. تعرفهم من ملامحهم المختلفة عن سائر الجنسيّات. جاؤوا بكل ثقافاتهم إلى هنا. أبجديّتهم، لهجاتهم، رموزهم.. ومطابخهم.

المطعم اللبناني يجاور المطعم الخليجي، المصري، الإيراني والتركي. لكن ليس بالضرورة أن يكون أصحاب تلك المطاعم عرب أو شرق أوسطيين، ومثال على ذلك الشاب الإيطالي الذي يملك مطعما يقدّم الشاورما والكباب، في هذا الحي. وقد تكون «الشيشة» (النرجيلة) هي القاسم المشترك الأكثر شعبيّة وطلباً في تلك المطاعم.

ولهؤلاء نواديهم الليليّة الخاصة بهم، حيث يمكن سماع الموسيقى العربيّة الشعبيّة (البوب العربي)، وبعض الموسيقى الإيرانيّة، في كل أرجاء الحي. عمرو دياب ونانسي عجرم يسهران معاً حتّى الفجر في باتايا التايلنديّة. وليس من المستغرب أن تلمح صورة مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، في أحد المطاعم، وإلى جانبه العلم التركي، أو أن تلتقي بإيرانيين معارضين للحكم الديني في بلادهم.

وطبعاً، ستلتقي هؤلاء، أي الشرق أوسطيين، في كل شوارع باتايا ونواديها الليليّة، وليس فقط في حيّهم المكتظ، ولكنّ ليس سهلاً أن تصادفهم في المعابد البوذيّة، التي يحجّ إليها بوذيّون من سائر دول العالم، إضافة إلى السكّان المحليّين الذين يمارسون طقوسهم، بصمت، بعيداً عن الضجيج الذي يحيط بحياتهم.

وإلى جانب تلك الثقافات، ستجد الثقافات الأخرى. المطاعم الإيطاليّة، التي تقدّم البيتزا والباستا. على الأغلب، هذه المطاعم يملكها مواطنون إيطاليون. وكذلك الأمر، بالنسبة إلى المطاعم التي تقدّم الأطباق الهنديّة والصينيّة، وغيرها. إضافة للحانات الإسكندنافيّة والاستراليّة والبريطانيّة، التي تقدّم المشروبات المحليّة الخاصة بتلك الثقافات.

أما الثقافة الأميركيّة، فهي موجودة في المدينة، كوجودها في أي مدينة أخرى على الكوكب، وتتجلّى بانتشار مطاعم الوجبات السريعة والمقاهي الأميركية الموزّعة في المدينة. وطبعاً، باتايا، كأي مدينة أخرى في العالم، ليست بمنأى عن الرأسماليّة ورموزها البشعة، فمراكز التسوّق الكبرى (المول) منتشرة في أحياء المدينة، بشكل نافر.

ولا تغيب عن المدينة رموز لها سمة عالميّة، وقد يكون بوب مارلي، أسطورة موسيقى الريغي، الأكثر شعبيّة، حيث تلقاه في كل أنحاء المدينة: على الجدران، في الشوارع، في السيارات، في السلاسل التي يرتديها الشباب، ووشوم على أجسادهم. هو رمز للفقراء والمهمّشين في هذا المكان الصاخب.

الجميع مرحّب به في باتايا، وكأن التايلنديين أرادوا لهذه المدينة أن تكون الحديقة الخلفيّة للعالم، حديقة مخصصة للمتعة والصخب، بعيداً عن الصراعات الدائرة على الكوكب.

هل قلتم «صراع حضارات»؟

***

Here we go, by Hanibaael

في الليل، الذي يبدو هنا كأنه أبدي، تتحوّل المدينة إلى كرنفال دائم للجنون. اللون الأحمر سمة المكان. ملاه ليليّة، مراقص، أماكن للسهر وحانات للتسكّع ممتدّة في شرايين المدينة. الناس تخرج من أوكارها، غرفها، شققها، إلى المدينة التي يبدأ ليلها عند الساعة السابعة مساءً، ولا ينتهي مع الفجر وشروق الشمس، التي نادراً ما يستطيع قاطني المدينة أن يلتقوا بها، ولكن يشعرون برطوبتها وحرارتها أثناء النهار.

السيّاح بكل جنسيّاتهم وثقافاتهم وأعمارهم، يبحثون عن «رفيقات الدرب». وهنّ موجودات في كل الأزقّة، يبحثن أيضاً عمّن يرافقهم لليلة، أو أكثر. كما تجذب حركة الليل البائعين المتجوّلين، من بائعي ورود والمصوّرين الفوريين وغيرهم من الباحثين عن لقمة عيشهم في الساعات المتأخرة من الليل. وأيضاً، لا تغيب عن هذه الشوارع المجموعات الشبابيّة الصغيرة التي تستعرض مهاراتها بالرقص أو بالسحر، وتحصل على المال من خلال تبرّعات المارّة الذين غالباً ما يشكّلون حلقات واسعة حول تلك المجموعات.

ورغم اكتظاظ الشوارع بالصخب، من النادر أن تحصل المشاكل بين الناس. ولماذا ستحصل إن كان الجميع يبحث عن الهدوء أثناء عطلته؟ «الدولة» لا وجود لها، إلا بعدد قليل جدّاً من عناصر الشرطة، التي تختصر مهمّتها بـ«الحفاظ على الصخب».

باتايا، تمشي في الاتجاه المعاكس للكوكب.

***

هنا، ملعب الثقافة التايلنديّة. اللغة التايلنديّة تحاصر التفاصيل، ورغم أن المدينة يرتادها الناس من سائر أنحاء العالم، فمن النادر أن تلتقي بأحد يتقن اللغة الإنكليزيّة، كلغة مشتركة بين سكّان الأرض. أغلب السكان يعرفون الحد الأدنى للغة الإنكليزيّة ما يسمح لهم بالتواصل مع الوافدين، وتسيير أمورهم في كل الشؤون اليوميّة. وعند غياب الإنكليزيّة، يستخدم هؤلاء اليدين والوجه للتعبير والتواصل، وهي لغة أقدم من جميع اللغات. هي استعادة للغة القدماء.

في كل شارع، أو زقاق صغير في المدينة، ستصادف الكثير من المحال المخصصة للمساج (التدليك) التايلندي. مساج للوجه، الرأس، الظهر، اليدين، الرجلين. ويعتبر المساج جزءا أساسيا من الثقافة التايلنديّة. والمئات من الفتيات التايلنديّات يعملن في هذه المحال التي تفتح على مدار الساعة لاستقبال الشعوب المتوتّرة دائما.

أما اللعبة التي سمّيت على اسم البلاد، أي التاي بوكسينغ، فهي لا تغيب أيضاً عن ليالي باتايا الحمراء، حيث تقوم بعض الحانات بتنظيم مباريات التاي بوكسينغ على حلبات خاصة داخل الحانات. ويمكن أياً كان الاشتراك باللعبة، على شرط أن يكون لديه الحد الأدنى من المعرفة بها.

وبالنسبة للعمران، يغلب الطابع القديم والتراثي للأبنية السكنيّة والتجاريّة، وهي مبان متوسطة الحجم، ويغطّي بعضها القرميد. وتعتبر المعابد البوذيّة التي تمنح المدينة بعداً روحيّاً هادئاً وعميقاً، أكثر تجسيداً للعمران التراثي المحلي. وطبعاً لا تغيب الرموز البوذيّة عن زوايا المحال والشوارع، وتشكّل هذه الرموز أحد الملامح الروحيّة للمدينة.

ورغم المحافظة على التراث، استطاعت «الحداثة» أن تجد موطئ قدم لها في المدينة، حيث ترتفع بعض الأبراج التجاريّة الشاهقة التي تجتاح العالم، إلى جانب مراكز التسوّق الكبرى. وهذه الأبراج منتشرة بأغلبها على الواجهة البحريّة لباتايا.

***

لا يكتمل صخب المدينة دون ثمارها الاستوائيّة وغاباتها الخضراء التي تضفي على المشهد جاذبيّة الألوان الحقيقيّة. هكذا هي باتايا، مدينة استطاعت على طريقتها الصاخبة، رسم موقعها على الخريطة العالميّة، لتكون عاصمة الجنون، الصخب والألوان. وكأنها أيقونة من جسد وروح، ارتسمت على إيقاع تراتيل المعابد وموسيقى العلب الليليّة.

(تايلند)

الأربعاء 1 كانون الأول 2010

نشرت في جريدة السفير البيروتية

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “باتايا: «أيقونة الأضداد» التي لا تهدأ”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s