متى دخلتُ هذا السجن؟


قدّسوا الحريّة، حتى لا يحكمكم طغاة الأرض. جبران خليل جبران

تستيقظ عند الساعة الثامنة والنصف. اليوم الأول من الأسبوع. الطقس خفيف بكل عناصره. الشمس. الرطوبة. الهواء. تقرر أن تذهب إلى الكورنيش البحري. تمتطي حصانك الأبيض. تصل متأخراً، بسبب زحمة الأحصنة على الطرقات، ولكن هذا لن يوتّرك أبداً، فأنتَ لست على عجلة من أمرك. هناك، على الكورنيش، تحتسي القهوة، وأثناء ذلك، تعتني قليلاً بالاقحوان الأحمر، الذي يتشارك بزرعه قاطني المدينة. يمرّ بعض الأشخاص الذين تعرفهم، ترمقهم بودّ نادر. تلتقط بعض الصور الفوتوغرافيّة بكاميرتك التي تعشق. وبعدها، تستريح قليلاً، قبل التملّح بمياه البحر.

هناك، على الشاطىء الرمليّ، المئات من الناس الغير مزعجة، تمارس التملّح، تلعب الموسيقى، وترقص. تتملّح لبعض الوقت، قبل أن تجفف جسدك بخيوط الشمس السحريّة. والآن؟ حان وقت الموسيقى والرقص.

We, The people. Venice Beach. by Hanibaael

تدخل إلى حلقة الرقص، حيث تتشارك الإيقاع مع مئات الناس الذين لا تعرف عنهم شيئاً، سوى أنهم تمرّدوا منذ الأزل على رتابة الموت اليومي. في الحلقة، تختبر خلايا دماغك، شرايينك، مسامات جسدك، أذنيك، عينيك، ملامح وجهك، ونبضاً ما يختزن القلب والروح. وأيضاً، تختبر معنى “الجنون”!

ترقص لساعات طويلة. تنسى كل شيء، وتتذكّر أنك أكثر من روح. ودون أن تتعب، تخرج من الحلقة. وتذهب، على حصانك الأبيض، الذي بدأ يلتهمه الجوع، ليرعى في أحد المساحات الخضراء التي خصصها الناس للأحصنة، إذ يمكنهم أن يرعوا ويلتقوا معاً بعيداً عن التعب المزمن الذي يعانوه منذ بدأ الناس استخدامهم كوسائل نقل يوميّة.

شبع حصانك، وتسكّع برفقة فرس جذّابة من جيله. يراودك سرور عميق. تمتطيه، وترحل بعيداً، إلى إحدى ضواحي المدينة، لتشاهد عرضاً مسرحياً ليس لشكسبير. تستمتع بالعرض الذي حمل الكثير من الأسئلة إلى دماغك الذي في الأساس لم يتوقّف عن التفكير بها. “لست الوحيد الذي تراوده هذه الأسئلة”. تطمئن قليلاً، قبل أن تذهب لتحتسي كأساً من الكحول المحليّة في أحد حانات المدينة.

منتصف الليل، تعود إلى منزلك المتواضع، والذي تحب أن تبقى فيه حتى انتهاء صلاحيّتك على الكوكب. تركن الحصان في الموقف المخصص لأحصنة الحيّ. تدخل غرفتك. تخلع عنك ملابسك، لتكون مجرّد أنت. تحضّر القهوة، قبل خلودك إلى دفترك، حيث تدوّن عليه ما تكوّن أثناء النهار في أحشاء دماغك. تكتب، وتكتب. تتعب. تستلقي على سريرك، وقبل أن تتمنّى أي شيء، تغفو بصدق، دون أن يعكّرك شيئاً.

في الصباح التالي، تستيقظ بهدوء معتاد. تقرر زيارة صديقة قديمة تقطن في إحدى القرى النائية. تحتسي قهوتك. تتذكّر أن تضع كاميرتك التي تعشق، في الحقيبة، إلى جانب زجاجة المياه الباردة. وتنطلق بحصانك الأبيض نحو الجبل الممتلأ بالأخضر اليافع.

هناك، تقضي وقتاً استثنائيّاً. في الواقع، هو ليس وقتاً استثنائيّاً، رغم أنه يوم الثلاثاء.. وهكذا.

***

تستيقظ فجأة من حلم بعيد، عند التاسعة صباحاً، متأخراً نصف ساعة عن دوام عملك. هو فعلاً يوم الإثنين. الرطوبة تنهش جسدك. تنظر حولك باشمئزاز. تدخل لتأخذ “دوشاً” سريعاً، ولكن لا مياه في الخزان. تلعن كل شيء من حولك. تلبس بسرعة فائقة. تخرج من شقّتك التي تتمنّى لو أنّك تغادرها للأبد في كل لحظة، خصوصاً وأنّ أجارها مرتفع وهي أضيق من عين عقرب هارب من جحيم جحره الصيفيّ. تنتظر الباص ليقلّك إلى عملك. يتأخر عن الوصول. وبعد ألف لعنة، يصل محمّلاً بعشرات المهمّشين، مثلك، الذاهبين إلى حتفهم، المتأخرين عن عملهم. لا تجد مكاناً لتجلس. تقف في الباص، محصوراً بين هؤلاء. وفي هذه الأثناء، حدّة الشمس تزداد، ويخيّل إليك بأن الباص تحوّل إلى فرن متنقّل، يشويك، ويشوي الآخرين، ببطء.

What Else, Washington DC. By Hanibaael

تصل إلى مكتب عملك متأخراً أكثر من ساعتين. يخبرك أحد الموظفين بأن مدير العمل يريدك أن تزوره في غرفته. تعرف سلفاً ما يجول في خاطر ذلك المدير الذي لا تعرف عنه سوى أنّه كائن تتنمّى لو أنّك لم تلتقيه في حياتك، ولكنّك تعرف ضمنيّاً أن بعض الظروف أحياناً تضعك في مواقع سيّئة ولا تتمنّاها حتّى للذين تحقد عليهم.

تدخل إلى المدير، والاشمئزاز مازال ينتشر في أصقاع جسدك. الآن، تختبر خلايا دماغك، شرايينك، مسامات جسدك، أذنيك، عينيك، ملامح وجهك، ونبضاً ما يختزن القلب والروح. وأيضاً، تختبر معنى”الاحتقار”!

تسمع موعظة الكائن الذي تتمنّى لو أنك لم تلتقيه في حياتك. تشعر بالذل، وهو يخبرك سلسلة الإجراءات المتّخذة بحقك، ومنها خصم يوم من معاشك الهزيل الذي يبقيك، ليس على قيد الحياة، بل قيد الحياة. معاشك الذي تدفع نصفه لإيجار الشقّة التي تتمنّى أن تغادرها للأبد في كل لحظة، والنصف الآخر تدفعه بين ضرائب وفواتير إلزاميّة مثل فاتورة الكهرباء والتلفون. وكأنك ولدت لتعمل في مكتب يديره كائن بغيض. تعود إلى مكتبك، محاولاً، عنوة، إخراج الهواجس الطارئة من دماغك، ولتستطيع القيام بذلك، تلجأ إلى إحدى مسرحيّات شكسبير. تقرأ بعض الفقرات من كتابه الذي تحتفظ به في حقيبتك القماشيّة. تتنفّس بهدوء. وفي الوقت عينه، تشعر بأن الشمس لم تيأس من تحويلك إلى قطعة لحم مشتعلة. تتوتّر. أثناء ذلك، تصلك رسالة قصيرة إلى هاتفك المحمول. هي رسالة من أخت صديقة قديمة لك. تخبرك بأنّ صديقتك مريضة، وهي ليست على ما يرام، وبحاجة أن تلتقيك.

“ماذا بعد؟”. تنظر إلى الساعة المصلوبة على الحائط. الدوام يشارف على الانتهاء. الساعة السابعة والنصف. تتحضّر للخروج من مكتبك البائس، وتنصرف إلى شقّتك. منهك القوى تنتظر الباص. يتأخّر كالعادة. يصل عند الثامنة. تصعد، ودون أن تبحث عن مقعد، تقف إلى جانب الذين شاركتهم الوقوف في الصباح. رائحتك التي تكرهها، تتشاركها الآن مع آخرين. وهم، بدورهم، يشاركونك رائحة نهارهم الذي يشبه لحد بعيد نهارك. في الواقع، أنتَ لا تختلف عنهم بشيء، سوى بشكل جمجتمك المستطيلة، ولكن هذا لا يعني شيء. وأكثر، من يكترث لذلك؟. “لست السجين الوحيد في هذه المدينة”. يراودك سرور عميق. تصل إلى شقّتك المنقطعة عنها الكهرباء. تضيء نصف شمعة بقيت من ليلة الأمس. تحاول أن تنام بصدق. ولكن أي نوم سيدخل عينيك بعد هذا النهار؟ في دماغك، كأي مصوّر فوتوغرافي محترف، كل شيء يأخذ شكل صور فوتوغرافيّة: المعاش المبتور. الباص الممتلأ والمتأخر دوماً. صديقتك المريضة. العمل الكريه. المدير البشع. الضرائب السرطانيّة. الإعلانات الخبيثة. الوقت المرهون.

فجأة، تسأل. “متى آخر مرّة ذهبت فيها لحضور حفل موسيقي، عرض مسرحي أو حتّى كان لي فسحتي الخاصة؟”. تحاول أن تركّز لتحصل على إجابة ما. بعد طول عناء، لا تتذكّر شيئاً، ولكن ما تستطيعه هو طرح السؤال بصيغة أكثر واقعيّة. “متى دخلتُ إلى هذا السجن؟”. لست سوى سجين كل ما يحيط بك. أنتَ سجين “البقاء على قيد الحياة”. أنتَ سجين الفواتير، أجار الشقّة، الضرائب، اللوحات الإعلانيّة، والإنبعاثات الكربونيّة الخانقة. ولتبقى على قيد الحياة، عليكَ أن ترهن وقتك وطاقتك، لكائن تتمنّى لو أنك لم تلتقيه.. ولكن، ”إلى متى سأبقى في هذا السجن؟”.

في هذه الأثناء، تغفو ببطء، على إيقاع الحرّ الشديد، والسؤال في رأسك يتكرر: “متى دخلتُ إلى هذا السجن؟”.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

8 thoughts on “متى دخلتُ هذا السجن؟”

    1. شكراً ع تعليقكم مايا وبهاء وكوستافو.

      آدم: في البدء، يتخيّل إلينا أننا وحيدين في سجن كبير، لاحقاً نعرف أننا كلنا تحوّلنا إلى سجناء كل شيء.
      ريتا: أؤيدك، انو نحن اخترعنا كتير اشيا تحكّمت بحياتنا وما عدنا نعرف نطلع منها. وتعي قيميني.
      القط: لما نختير ونتقاعد، منكون خرجنا من كل شي يمكن😀

      أعجبني

  1. بصراحه وصفك رائع وكأنك تصف حياتي بالتفصيل
    شعرت بالسعاده (وياللغباء وغرابه الانسان) ان هناك من يعيش نفس حياتي ، كنت احسب اني الوحيد المسجون في هذا العالم
    اشكرك مره اخرى
    سلام

    أعجبني

  2. اكتر شي بيضحكني انو الانسان اخترع تعقيدات ما عرف يطلع منها ..

    أنتَ سجين “البقاء على قيد الحياة”… و انا كمان ، و هوي و هيّ ..
    تعا قيمني ، هيهي ..

    تحياتي هاني🙂 !

    أعجبني

  3. يعلن معهد صحافة السلم والحرب عن تخصيص منح لشباب يرغبون بكتابة مقالات إستقصائية حول قضايا تتعلق: بشؤون بلدياتهم الإقتصادية والإجتماعية والتنموية والبيئية، بالشفافية، أو بالحكم المحلي. الهدف من المنحة تشجيع الشباب على التعمق في التحقيق حول قضايا تهمهم وتهم مجتمعهم والعمل على محاسبة المسؤولين المحليين.

    هذه المنحة هي جزء من مشروع “نقاط على الحروف” الذي يهدف إلى تعزيز مشاركة الشباب في الحقل الإعلامي المحلي والإلكتروني

    على الراغبين في دخول المسابقة لتمويل مقالاتهم، إرسال أفكارهم قبل ٣٠ تشرين الثاني ٢٠١٠.

    الرجاء ارسال الإقتراحات إلى العنوان التالي:

    grant@no2at3al7ourouf.com
    iwpr.beirut@gmail.com

    For more information about the grant
    http://www.no2at3al7ourouf.com

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s