ليلة هروب البطريق من القطب الجنوبي


.1. 

فجأة، يطرق أحدهم باب غرفته. الفوضى تستحوذ على المساحة برمّتها. اكتظاظ لا يفهمه أحد. ينظر إلى أشيائه الموزّعة بين الطاولة والكنبة والحائط. يتفقّدها، وكأنه يبحث عن كتاب يملأ جمجمته التوّاقة للجنون. هكذا هو. يكره، بفطرته، الجلوس في مكان واحد مع أشخاص مملّين. فكيف يجلد ذاته ويقرأ لهؤلاء؟

وبعبثيّة تستقر عينيه على رفوف المكتبة المعلّقة على الحائط. الكتب المكدّسة لا تعني له شيء.

للحظة، يفقد سمعه. بيتهوفن يحتل المخيّلة. “لا أريد أن أكون مثله”. يهرب باتجاه الباب، وكأنه يؤجّل صراعاً سيخرج منه مهزوماً.

 

.2.

 

قبل أن يمد يده إلى الباب ليفتحه. تذكّر. “لماذا أحدهم يريد زيارتي؟”. تخيّل أحد الأصدقاء يقوم بزيارته. وقبل انهمار الأسئلة عل رأسه. فتح الباب بازدراء.

إنه بطريق. يقف أمام غرفته بعينين حائرتين. يحمل كيساً من القماش، عرف لاحقاً بأنه كل ما يملك. “ولكن ما الذي يدفع بطريق لزيارتي؟”. غرابة المشهد اربكته. استمرّ في النظر إليه، ولكنّ في الواقع، عينيه كانتا سارحتان في اللاشيء. فراغ ملأ شرايينه، وكأنّ الصيف امتصّ ما تبقّى من نبض في جسده النحيل. البطريق مازال يراوح مكانه عند العتبة. اليأس ارتفع من قدميه وصولاً إلى ثغره.  ورغم ذلك، بقي ينتظر الترحيب به، ليدخل.

 

.3.

 

الطريق التي قطعها البطريق كانت طويلة وشاقّة. مرّت فترة طويلة قبل سلوكه درب الخيارات الصعبة، التي كانت تعتبر مستحيلة بالنسبة للأجيال الغابرة من أبناء شعبه.

فالهجرة إلى بقاع اخرى من الكوكب هو بحد ذاته مغامرة غير محسوبة. لم يناقش أجداده وآباءه مواضيع تتعلّق بهجرة الأرض. آنذاك، الحصول على الغذاء، المتوفّر، كان الأولويّة الجماعيّة. أما ما تبقّى من ظروف حياتيّة فالأرض تؤمّنها: جليد، حرارة منخفضة طيلة الوقت، ومساحات تتسّع للجميع.

هذا كان في الماضي!

أما اليوم، فقرار ترك اليابسة البيضاء، والاتجاه نحو اليابسة الصفراء لم يعد خيار اراديّ يأخذه بكامل إداركه الذهني والحسّي. كل ما يحيط به تغيّر. الأرض التي كانت تحميه، وتؤمّن استمراريّته هو وأبناء جلدته، أصبحت قاسية عليه. وتهدد وجوده.

.4.

علامات التعب بدت على ملامح البطريق. أسرع صاحب الغرفة إلى المطبخ وأحضر كوباً من الماء البارد. شربه البطريق على دفعات. يبدو أنّه يتلذذ بدخول البرودة إلى أعماقه، بعد أن أفتقدها لفترة طويلة.

فهم البطريق علامات التساؤل والاستغراب المرسومة على وجه الشاب. عندها، وضع الكوب جانباً ببطىء شديد، أخذ نفساً طويلاً وكأنه يتنفّس للمرّة الأولى. وشرع في الحديث.

جلس الشاب على مقربة منه. مذهولاً بقدرة زائره على جذب الانتباه إليه.

“لستُ هنا بإرادتي” تمتم البطريق عبارته الأولى. وبدأ سرد سلسلة من الأحداث جرت منذ عشر سنوات، وغيّرت مجرى حياة القاطنين هناك. إذ تحوّلت الأرض التي يعيش عليها إلى جحيم على شكل سائل. جبال الثلج تحوّلت إلى بحيرات فاترة. أما انقراض الأسماك التي يقتات منها، فهي مسألة اخرى.

استغرق مستمعه بالنظر إليه. تردد قبل سؤاله “أين ذهب الآخرون؟”. الوقت يتسمّر في شرايين البطريق. شعر بأن السؤال طعم ليجرّه إلى ذكريات سوداء لا يريد التطرق إليها. اختصر: “أنا البطريق الاخير!”.

.5.

في هذه الأثناء، راودت الشاب أفكار كثيرة. فكّر بكل ما يقوم به الإنسان منذ أكثر من مئة عام. فكّر بتصرفاته تجاه كل ما يحيط به من أرض، بحر وسماء. كل ما نقوم به يقود إلى حياة جحيميّة.

أكثر ما  تذكّر الكتب التي تملأ مكتبته ولا تملأ جمجمته. الكتب المملّة، والتي هي في الواقع ليست إلاّ تلف للاشجار والمساحات الخضراء. فكل كتاب لشخص ممل يعني قطع شجرة إضافيّة، ما يعني ذوبان تلّة من الثلج في موطن البطريق. “هُم جزء من الكارثة” كبتها في داخله. “لا ينقصه إحباط أكثر”. البطريق لا يعلم بوجود هؤلاء حتّى.

قام الشاب باتجاه الثلاجة ليجهّزها. هذه المرّة، تستقبل زائر حي، ينبض. البطريق يريد بعض من الراحة. لم تمض لحظة على وضع رأسه على كومة الثلج المكدّسة، حتى دخل في غفوة لم يذقها منذ تحوّل موطنه إلى جحيم.

“عند العشاء احدّثه عن اشياء لا يعرفها. بالنهاية، سيكتشف حقيقتنا”.

 

 

 

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “ليلة هروب البطريق من القطب الجنوبي”

  1. قصة جدا رائعه ومعبرة .. اعتذر نسختها فصفحتي ع الفيس بوك .. وللأمانه وحقوق الفكر وضعت عليها (منقول م مدونه)

    أعجبني

    1. تحياتي بدون هوية،
      شكراً على رأيك بالنص. وهيدا الشي بشجعني طبعاً. وبخصوص نخسها ع صفحتك الشخصية ع الفايسبوك، فهيدا حقك، وهي مكتوبة حتى يتم نشرها مش لتحفظ بالثلاجة، كمان كل النصوص المنشورة على المدونة منشورة ضمن إطار المشاع الابداعي المشترك، يعني يمكن التصرف فيها بكل الاشكال ما عدا تحريف النص او استخدامه لاهداف تجارية، وذكر مصدر النص..

      شكراً مرة اخرى

      بانتظارك دايماً
      🙂

      أعجبني

  2. نحن البطاريق (الباقون منهم) لا نرى بأساً في زيارة المتسكعين من حين إلى آخر لتذكيرهم بهامشيتهم في الحياة التي يسيطر عليها الجشع في هذا الزمان المر.
    بانتظار بقية القصة!

    أعجبني

    1. تحياتي بطريق،
      سررت انك قدرت توصل ع المدونة😀 ونشكر زيارتكم للمناطق الصفراء كونها بتذكرنا بكتير اشيا..

      ما بعرف اذا رح يصير في جزء تاني للقصة.. الامور مفتوحة😀

      شكراً لزيارتك الميمونة ايها البطريق الجليدي😀

      أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s