أهذا القطار يقلّني إلى الجحيم؟


“أنا خارج الوقت”

ملاحظة: تجري هذه الأحداث في مكان ما، في المستقبل القريب!

في ذلك الصباح، لم تكن الشمس مجرّد كائن يعشق الاشتعال. خلسة، تهرب إلى أرجاء الغرفة، توزّع اشعّتها على الأشياء، وعلى جسدها الحنطيّ.

هو بقي في الظل. على الكرسيّ الخشبيّ شارداً في خيوط الشمس وتفاصيل وجهها. لم يحاول تغيير المشهد. استمرّ في تنشّق وجهها عن بعد. تراوده القهوة، ليستيقظ. يسرع إلى المطبخ ليعدّها، ولكن ما ارتسم في مخيّلته يبدو عبثيّاً في هذه اللحظة. عضلات جسده خانته. لم يقوى على الوقوف، أو حتى على الحركة. الصمت يبارح المكان، أما القهوة، فبقيت شهوة تلاحقه حتى ساعات متأخرة من النهار.

Source: flickr- Alone By a_tratti
Source: flickr- Alone By a_tratti

كان يريد البوح لها بالكثير، رغم أن هذا اليوم الثالث الذي يلتقيه بها. لطالما آمن بأن الوقت مجرّد وهم يأسر قاطني الكوكب. “أنا خارج الوقت”. معادلة رافقته منذ زمن بعيد.. ومازالت!

هذه الفكرة لم تغب عن سلوكه، حتّى أن البعض يظنّه صديق قديم لزوربا اليوناني.

***

“تحت الثلج يختبأ بركان لعين!”

في استلقائه الجبري على الكرسي، مرّت الأيام الثلاثة الأخيرة في رأسه وكأنها فيلم قصير، لا سيناريو مدبّر لها، أو حتّى مخرج هاوٍ. مشاهد غير مكتملة تداهم ذاكرته المشوّشة لأبعد حدود. تذكّر لحظة لقائها في إحدى محطات “المترو” الممتدة تحت المدينة. عيناها الممتلئتان بالمطر وثوبها الغجري الملوّن، عناصر كافية لجذبه نحوها. “أهذا القطار يقلّني إلى الجحيم؟”، ببرودة، عبر مفتعلة، سألها مقترباً منها. رمته بقطعة ثلج أثقل من سؤاله. “الجحيم هو نحن”.

هذه العبارة أشعلت بركاناً يسكنه، حسب أنّ الحروب التي مضت منذ سنين طويلة قد أطفأته.

في ذلك اليوم، تغيّر إيقاع الفوضى، ولم يتغيّر شيء. لم يذهب شمالاً لقضاء العطلة في إحدى القرى النائية، بعيداً عن ضوضاء المدينة وغبارها المستعر. اتّجه جنوباً، برفقة الفتاة التي التقاها للتوّ. جنوباً، حيث الجحيم الذي بحث عنه مطوّلاً.

هناك، لم يكونا غريبين، رغم أنّهما لا يعرفان أحداً في هذا المكان المسكون بالغرباء. بوهيميّان يجولان في الأنحاء، وكأنهم يلبّون نداء دفين في أعماق أرواحهم. نداء الجحيم. كانا يعرفان أن ما يجري فوق الأرض يشبه لحد بعيد ما يجري تحت الأرض. الفرق الوحيد، أنّ ما تحت الأرض أكثر حقيقة من أي شيء مضى!

***

Source: Flickr- by yusuf_alioglu

“ولكن، ماذا عن الآن؟”

رغم محاولته نفض “الوقت” بعيداً عن حياته، لم يستطع الهروب من هذا السؤال، الذي تحوّل إلى هاجس يخيفه. رحلتهما القصيرة ادخلته إلى دوّامة اسئلة اخرى يحاول في هذه اللحظة أن يؤجّلها.

الحر الذي اخذ بالتوسّع في أنحاء الغرفة يذكّره بالشلل الذي يقوّض عضلات جسده. الهواء يتقلّص في رئتيه. عيناه خائرتان ووجهه هزيل وكأنّ جوع قديم يفترسه بحقد اسبرطي. أما الفتاة التي لم تستطع قسوة الشمس أن تحرّكها، ولو شبراً واحداً، فلم يعد يعرف عنها شيئاً. “شيء ما في داخلي يبتلعني”. هذا آخر ما لفظته قبل أن تدخل في نوم أبدي، حسب أنه غيبوبة مؤقتة نتيجة التعب الشديد.

مع تقدّم الوقت، الذي حسب أنّه مجرّد وهم يأسر قاطني الكوكب، كان يقترب من حقيقة تصفع مساماته. “ربّما تأخرت، ولكن لا أحد خارج الوقت”. يقاوم الرغبة بإغلاق عينيه. عطش شديد يتملّكه. الصحراء تتّسع من حوله وداخله، ولكن من يسمع همسه الذي يبقى حبيس دماغه.

المرض يفتك بعظامه. يتذكّر ما شعرت به الفتاة التي لم يتسنّى له أن يعرف اسمها. “شيء ما يبتلعني”. من جديد يقاوم إغماض عينيه اللتان تحوّلاه لشبح فاقد القدرة على كل شيء. شبح يلتهمه الوقت.. وفيروس لا يعرف كنهه أحد حتى الآن.

بلحظة، يسقط الكوكب، وكل ما عليه. عيناه تغمضان وعطش أزلي يحاصره.

من حوله بدا العالم وكأنه ثمرة تهترىء.. ببطء شديد!

***

مضى اسبوع على موتهما الأخير في الغرفة المعتمة. الرائحة المقززة تعبق بالمكان. تمتد للشقق المجاورة، وتطاول على الشارع. ولكن من يؤكّد وجود الرائحة إن لم يكن هناك من يشتمّها؟

مَن لم يحصده الفيروس هرب بعيداً نحو الجبال النائية قبل أن يُبتلع ويتحوّل لجيفة لا أحد يريد الاكتراث لها.

ورغم ذلك، استطاع الفيروس الذي لقّب لاحقاً بـ”الملك الأسود”، إرسال الآلاف إلى النوم الأبدي، وكأنه ضابط عسكري يعرف جيّداً كيف يطيع قائد الجيش. وفي غضون أشهر، استطاع تحويل المدينة إلى مكان لا أحد يتمنّى أن يعيش فيه. النفايات تتراكم كالجبال على أرصفة الطرقات. الجرذان تزاحم الناس على ما تبقى من طعام في المتاجر والمحلات، حتّى أن الحصول على كأس من الماء النظيف أصبح حلماً مستحيلاً.

وحتى كتابة هذه الأسطر، مازال “الملك الأسود” يجول في الأرجاء. يحصد الأرواح. متربعاً على جبل من الهياكل العظميّة، ولا أحد يعرف من أينَ جاء.. ومتى سيرحل!

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “أهذا القطار يقلّني إلى الجحيم؟”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s