رغبة (1\2)


لم يلحظ أحد دخولها. بما فيهم النادل، الذي عرف بوجودها على الكوكب عندما نادته. طلبت كأساً من الجعة المحليّة. واستغرقت في كتاب لم تتركه من يديها منذ جلوسها على الطاولة.

عيناها لم تغيبا عن صفحات الكتاب. عندما قدّم النادل الجعة لها، لم تتكلّف عناء نقل عينيها إلى ما يجري حولها. تجرّعت “شفّة” من الكأس. دون أن تبالي بموسيقى الجاز اللاتيني التي ملأت المكان.

في الواقع، لم تقم إلا بشيء وحيد: الاستغراق في الكتاب!

***

فجأة، يخرج جندي من الكتاب، بدأت قراءته منذ يومين. يجاورها بثيابه العسكريّة المهترئة. يبدو عليه الإرهاق. مرّت دقيقة وهي محدّقة في عينيه. جدار الثلج الذي نشأ منذ يومين بينهما بدأ بالانهيار. والخوف أيضاً. تجرأت على تحسس يديه التي تأكلها الخشونة. لم يرتبك. رغم أنه عاش لسنوات طويلة داخل صفحات الكتاب دون أن تقترب منه فتاة.

Flickr- by Magnaza

“من يقترب من جثّة محارب لم يسمع به أحد؟”.

***

رغباته تتدفّق في روحه، كانشطار الضوء على وجوه مرتادي الحانة.  “أريد سيجارة وفنجان من القهوة” قالها بصعوبة واضحة. عيناه تتربّص الفتاة. تركض هي نحو “البار”. آتية بالقهوة التي يرغب.

هذه المرّة، اقتربت منه أكثر. يبدو أن القهوة تعطي للجندي جاذبيّة أكثر من سلاحه.

ينظر حوله. يشعر بأنه قادم جديد إلى هذا العالم. وُلد للتوّ. كل شيء باهت، رغم الاضواء التي تتوزّع المكان. يسخر من ذاته. “على الأرجح، لم يسمع أحد بي”. هذا ما يوحي به المشهد الذي يجري أمامه: لا أحد يأبه لوجود جندي ذي ملامح حادّة، مات في احدى المعارك. والآن، يجاور فتاة في حانة بائسة “.

لم يرد الشعور بالخيبة. ولا حتّى التفكير بالأمر. رغم ذلك، تجتاحه الرغبة بالصراخ. يتريّث. يكبتها في دماغه. الصدى ينتشر في أصقاع أطرافه. هذه الأحداث تجري، وسط صمت قاس. الفتاة تراقب بارتباك. أما هو فغارق في هواجسه الوجوديّة.

***

Flickr- By Jonė Reed

لوهلة، خافت. التفتت حولها باحثةً عن الجندي. لا اثر له. تبخّر مع دخان سجائر الحانة. مرّة اخرى، تسقط في الفخ ذاته.

“هي رغبة التماهي؟”

غير آبهة، تغلق الكتاب منهيةً فصلاً من تاريخ الحرب التي لطالما سمعت عنها. تحاول إخراج المشاهد السوداء من رأسها. لا تستطيع.  البارود والغبار يغطّيان الذاكرة. الجندي عاد إلى خلوته الأبديّة في صفحات الكتاب. هي لا تريد شيئاً، سوى العودة إلى غرفتها، والاستلقاء لبعض الوقت، قبل ذهابها لمواعدة ثائر عتيق، تعرّفت عليه منذ ثلاثة أشهر، في احدى الروايات المترجمة.

لقراءة الجزء الثاني من النص. رغبة (2\2)

Add to FacebookAdd to DiggAdd to Del.icio.usAdd to StumbleuponAdd to RedditAdd to BlinklistAdd to TwitterAdd to TechnoratiAdd to Yahoo BuzzAdd to Newsvine

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

12 thoughts on “رغبة (1\2)”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s