“القوقعة”: من عتمة السجون السوريّة إلى الضوء!


إنّه زمن “القوقعة”، حيث يختلط كل شيء. لا حدود فاصلة بين الماضي والحاضر، السوريالي والواقعي. هي ليست مجرّد رواية يقصّها علينا أحدهم. هي نص يختزن الرعب، الخوف، الظلم..الاحتضار. تدور الأحداث في ثمانينيّات القرن الماضي، أثناء احتدام الصراع المسلّح بين النظام السوري والاخوان المسلمين.

يعود “مصطفى خليفة” إلى بلاده من فرنسا، بعد حصوله على إجازة في الإخراج السينمائي. “بلادي (سوريا) بحاجة إليّ أكثر من أي دولة اخرى”. وهكذا كان. يترك مصطفى خلفه كل شيء: صديقته، مقاهي باريس، حقوق الإنسان، البيرة، وأشياء اخرى..

يصل إلى المطار. يوقفه الأمن السوري. يأخذوه إلى التحقيق، بتهمة الإنتماء إلى تنظيم “الإخوان المسلمين”، علماً انه مسيحي حسب الهويّة، وملحد في المعتقد. وهناك، يختفي مصطفى لمدّة 13 سنة، ثلاثة أشهر وثلاثة عشرة يوماً، في سجون النظام.

يسرد مصطفى يوميّاته كما عايشها. من يومه الأول في التحقيق، حتى آخر لحظة خرج منها من السجن. نصّه البسيط، الواقعي، والفجّ ينقلك دون تكلّف، إلى مساحات مليئة بالحقد، الكراهية، والذل. لم يكن بحاجة للأسلوب الأدبي الجذاب ليدخلك إلى ذلك العالم المظلم. ربّما الوضع المزري الذي عايشه طيلة تلك الفترة كان كافياً ليتجذّر في شخصيته، وذاكرته ومستقبله. وطبعاً، لم تغب مقاربته السينمائيّة، عن صياغة النص، التي تأسر القارىء من الصفحة الأولى.

يدخل مصطفى إلى قعر المجتمع، من ثقب جدار الزنزانة، التي يتلصّص من خلالها على ساحة السجن الصحراوي. هناك، يلتقي بالأبرياء، المقاتلين، المناضلين والمجرمين. يلتقي بأطفال، شباب، رجال وعجزة. يلتقي بمثقّفين، خرّيجي جامعات، أطبّاء وغيرهم. يلتقي بالحمر (أي الشيوعيين واليساريين)، والخضر (أي الإسلاميين بكل تياراتهم الفكرية والسياسية). جميعهم سجناء النظام.

للحظة، يطغى الخيال على النص. من أساليب التعذيب المبتكرة إلى طريقة التعامل مع السجناء، مروراً بالأجواء داخل السجن (ظروف صحيّة، الأمراض المعديّة، علاقة السجناء ببعضهم البعض). ولكن الأحداث بفجاجتها تفرض ذاتها على النص، لتذكّر القارىء بأن ما يقرأه هو وقائع حقيقية، جرت فعلاً في مكان ما في سوريا.

***

هو نظام مريض ذو مخيّلة قذرة. الهرميّة العسكريّة تسيطر على تفاصيله. تترك الرواية لدى القارىء إنطباعات كثيرة عن المجتمع، النظام والحركات الدينيّة المتشددة. من خلالها، تستطيع أن تفهم أكثر بنية العلاقات الأمنية داخل النظام، وتعرف اكثر من أين تستمد الحركات الدينيّة عصبها في مواجهة النظام القائم، وأسباب صمود السجناء في ظل ظروف حياتيّة قاسية وظالمة وقاهرة.

أهميّة النص، رغم طابعه الروائي، الذي كتبه مصطفى خليفة بأنه أرّخ، بشجاعة، لحقبة خاف الكثيرون من الكتابة عنها، وتعريتها. أرّخ لحقبة مندثرة من التاريخ الحديث لسوريا، سترسم ملامح حقبات مضت واخرى ستأتي على المشرق عامةً، وسوريا خاصة.


اسم الرواية: القوقعة، يوميات متلصص
اسم الكاتب: مصطفى خليفة
دار النشر: دار الآداب- بيروت

يمكنكم الحصول على النسخة الألكترونية من الرواية من هنا


Add to FacebookAdd to DiggAdd to Del.icio.usAdd to StumbleuponAdd to RedditAdd to BlinklistAdd to TwitterAdd to TechnoratiAdd to Yahoo BuzzAdd to Newsvine

About these ads

22 فكرة على ”“القوقعة”: من عتمة السجون السوريّة إلى الضوء!

  1. من السجن إلى الضوء ومن كراسي الحكم إلى مزبلة التاريخ، هيدي لازم تكون المعادلة.

    جيدة بو الهنّ :)

  2. الله يعطيك العافية على هالرواية يلي خلتنا نشوف كتير شغلات كنا بس نسمع عنها
    لما بدأت بالرواية ما غضرت قوم عنها حتى خلصها

    • تحياتي Hollow
      صراحة، القوقعة، من الروايات القليلة اللي تحمست اكتب عنها، بسبب كل ما تحمله. من واقع مخيف واحداث حتى مخيلتنا تعجز عن الوصول إليها..
      عقبال ما نتخلص من كل هالواقع السيء لكل العالم العربي :)

  3. قرأت بعض تفاصيل الرواية ، إنها مؤلمة حقا” ، إن شاء الله تتحرر سوريا بلدي الغالي من الطاغي الظالم بشار

  4. لقد قرأت الواية مرتين… إن من أجل أشخاص كمصطفى خليفة -وهو برأيي شخص عظيم- انتفض الشعب السوري اللأبيَ للتخلص من النظام الوحشي ذو العقلية الجهنمية الفاشية السادية الدكتاتورية الللإستبدادية…وتعكس الرواية غباء و استهتارجميع المؤسسات اللأمنية السادية.. مع كلمة أمن لا تمت لهم بصلة.رحم الله جميع من ذكروا في الرواية و خاصة نسيم. و تحية احترام إلى الذي رفض كتابة رسالة شكر إلى هتلر الثاني……. حافظ اللأسد قبحه الله.

  5. رواية مميزة حقا ً ، وتحمل الكثير من مقومات العمل الفني الناجح، بل والتاريخي أيضا ً ..
    ولكنها تبعث في النفس جرعة ً هائلة ً من اليأس والإحباط ، تحتاج لوعي ٍ وقوة ٍ كبيرتن للتخلص من آثرها..
    وأرى من المهم والضروري جدا ً التنبه لذلك أثناء قرائتها، وخاصة ً في هذه الأيام العصيبة التي تمر بنا..
    رحم الله سوريه وأعاننا..

    • تحياتي صهيب،
      معك حق من ناحية تأثير الرواية.. ولكن هيدا ما بيعني انو ما نقراها حتى نكتشف اكتر جرايم هيدا النظام.

      تحياتي.. والحرية قريباً لسوريا!

  6. لا حول ولا قوة إلا بالله الله أعين الشعب السوري وانصره على الطغاة الظالمين
    ان أمر الله واقع لا محالة ولو كره الكافرون

  7. رواية رائعة قرأتها في ساعات ولم أستطع تركها بالرغم من الأسى و الكآبة التي تبعثها في النفس ، لكنها بالتأكيد زادت من عزيمتي و عزيمة كل من يقرأها على التخلص من هذا النظام .

    • قراءة هيدي الرواية، بتدفع كل انسان يشارك بطريقة او باخرى باسقاط هيدا النظام المجرم.. على امل!
      تحياتي امل :)

  8. كنت أتمنى أن لا احب ولا أن أجيد القراءة! نسمع ولكن نكذب انفسنا ونقول هاي قصص مو واقع ! ولكي أعود إلى واقعي يجب أن اخبر نفسي وأصدقها بان القوقعة قصة متخيلة غير واقعية ، الله يسامحك يا أخي نصحتني بقراءتها ! كيف لي أن أنام الآن …… ;(

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s