هنا بيروت الحديثة، هنا دمشق القديمة


هاني نعيم

هنا بيروت. ذُهِل الرجل الأربعيني القادم من المكسيك الحارّة، بهذه المدينة. لم يستطع كبتَ انطباعاته عنها، وقد قرأ عنها الكثير، قبل أن يأتي متلهّفاً لزيارتها، والغوص في تاريخها وحاضرها. في طريقه من بيروت إلى دمشق، أمطر زميله في الباص، بخيبة أمله.

المدينة ليست كما رسمها في مخيّلته، وبالحد الأدنى، ليست كما توقّعها. بحث في أزقّة بيروت عن كل ما يربط الإنسان بالذاكرة، وحقيقته المجرّدة. وفي كلّ مرّة، السراب كان أفقه!

ربّما، ذلك الرجل ليس وحده. الغرابة التي شعر بها في المدينة، تشبه لحد بعيد الغرابة التي يشعرها كل من يعتبر بيروت: مدينة الدفء المديتراني، ومختبر الأفكار والتجارب المتمرّدة على القوالب.

“النيوبربريّة”[1] تجتاح بيروت، كالصقيع الخبيث عندما يفتك بعظام الإنسان. تكفّلت الحرب الأهلية (1975-1990) بتهشيم وجهها. أما الحقبة التي تلتها، فكانت بمثابة إطلاق يد الوحوش للعبث بأحشاء المدينة. الجميع عبث بهويّتها، حتّى أصبحت تشبه كل شيء، ما عدا بيروت.

في البدء، قرصنوا وسط المدينة لصالح شركة خاصة، «أعادت إعماره» وفق تصوّرها «الاستهلاكي». وهكذا تحوّل الوسط من فسحة لجميع شرائح المجتمع، إلى ناد مغلق مقتصر على الأغنياء وثرواتهم. تحوّل من وسط يضجّ بالحرارة والعفويّة، يحضن تاريخ بيروت وهويّتها الثقافيّة، إلى فراغ بارد، جاف.. ومغرور!

هنا بيروت الحديثة – By Hanibaael

وفي أنحاء بيروت، بدأت تختفي الأحياء الصغيرة المحافظة على تراثها العمراني – الثقافي، أمام توسّع “ثقافة الأبراج”[2] الفارغة من كل شيء، إلاّ من الربح السريع. وفي السنوات الأخيرة، مع طفرة أسعار العقارات والشقق السكنيّة، دخل مشهد بشع إلى يوميّات المدينة، إذ يُدمّر بناء قديم[3] كل يوم ليرتفع مكانه برج يعود بأرباح ضخمة على أصحاب الاستثمارات.

وتمثّل التحوّلات التي شهدها شارع الحمرا البيروتي، في السنوات الخمس الأخيرة، خير تمثيل الحالة التي تعيشها المدينة. إذ أقفلت جميع المقاهي الثقافيّة القديمة واستبدلت بمحلات ألبسة عالميّة ومطاعم للمأكولات السريعة. كما تقفل مكتبات شكّلت يوما ما أبرز ملامح الشارع لعقد ونصف، لتفتح مكانها «مقاه عصرية».

اليوم، تحاول بعض الأبنية المتبقّية الصمود أمام «النيوبربريّة» التي تنهش كل شيء، وعلى حساب كل شيء.

ثقافة الفراغ تنتشر في المدينة، وتمحو هويّتها: أبراج شاهقة، روتانا، أصوليّات، مأكولات سريعة، شركات أمن.. وشعب بلا ذاكرة!

***

هنا دمشق. المشهد يختلف عن بيروت. تنهّد الرجل بملامحه المكسيكيّة المحببة والقاسية في الآن ذاته. شعر للحظة أنّه وجد ضالّته. وهكذا كان.

لم تشهد دمشق، منذ زمن بعيد، أي حرب. وبذلك، لم تتعرّض المدينة إلى أي تشويه عمراني – ثقافي. الهدوء الدائم ترافق مع سياسة حكوميّة تقوم على حماية تراث المدينة، خصوصاً منع المساس بوسط دمشق، أو «المدينة القديمة»، وإبقاءها على ما هي عليه.

هنا دمشق القديمة – By Hanibaael

الأبنية القديمة ليست ملك أفراد. المدينة ليست مجرّد عقارات. مالكو الأبنية القديمة لا يملكون الحق بهدمها. وإن حصل أحد المالكين على إذن بترميم مبنى، فذلك يكون بعد الاطلاع على المبنى والبحث بحاجته للترميم، الذي يجب أن يكون متلائماً مع روح المدينة وتراثها.

الانتقال بين «حارات الشام القديمة» كالعبور بين صفحات التاريخ. أبنية موغلة في القدم. أشكال هندسيّة ترفض الزوايا. أزقّة تحترف الضوء. المحترفات الفنيّة تحوّل الوسط إلى مختبر إنساني يعبق بالماضي، ويتجرّأ على الحاضر.

الحركة هناك قريبة من حقيقتك. تشبهك. تتماهى وشغفك. تمنحك دفئاً تفتقده في مدينتك. ولكن دمشق ليست بعيدة عن بيروت. التحوّلات تغزو كل شيء، رغم عدم اقترابها من الأبنية القديمة حتى الآن. المحلات العالمية الكبرى تنتشر بسرعة في السنوات الخمس الأخيرة. القيم «النيوبربريّة» دخلت إلى النظام الاقتصادي. حُرّرت الأسعار والأسواق. «الربح السريع» يطفو على السطح، ما أدّى لازدياد الفوارق الاجتماعية – الاقتصادية بين الطبقات. أما الطبقة الوسطى فهي آخذة بالاختفاء.

المشهد مخيف. دمشق 2010 تقارب بيروت التسعينيّات. خلال عشرين سنة، وصلنا إلى ما نحن عليه في هنا. هل تستطيع دمشق الهروب من أتون «النيوبربريّة» التي تتحوّل لقدر في الدول التي اعتمدت الاشتراكية في العقود السابقة؟ أم ترسم درب الضوء لتجذب بيروت إلى حضنها؟


هوامش:

[1] عنوان جريدة الاخبار، الثلاثاء 20 نيسان 2010.

[2] مقال لخالد صاغية حول برج دبي

[3] .خصوصاً في أحياء رأس بيروت، والأشرفيّة والجميزة المتميّزة بأبنيتها القديمة، وأكثر ما يدل على ذهنيّة الباطون هو إصدار بلدية بيروت مرسوم يقضي بتحويل آخر فسحة خضراء في المدينة، حديقة الصنايع، إلى موقف للسيارات!

-4- A new master plan for Damascus

الاربعاء 28 نيسان 2010

جريدة السفير

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “هنا بيروت الحديثة، هنا دمشق القديمة”

  1. عندما نتجول في أزقة بيروت نشعر أن الموت يملاً المكان ..والضجيج يكتم نور الشمس…
    ولكن هل يختلف المشهد كثيراً في الشعلان مثلا؟
    إن أجواء النيوبربرية تغزو المكان في دمشق ..لم تسيطر عليه ..” أعتقد أنها لن تدوم كثيراً”
    إنه جو المدنية البربرية …لهم الوسخ التجاري والسوليدير ولنا الإغتراب

    أعجبني

    1. من المؤسف جداً أن تتحول مدننا، هويتنا، ثقافتنا، إلى شكل لأشكال البربرية الحديثة!

      علينا فعل شيء لهذه المدن قبل أن تنضم نهائياً إلى عصر البرابرة.

      تحياتي جميعاً

      أعجبني

  2. ارتكبت الكثير من الجرائم الثقافية و التاريخية بحق دمشق القديمة و الغوطة.. و رغم محاولة (أو التشبّه بمحاولة) إيقاف ذلك إلا أن الوضع ما زال سيئاً جداً.. المدينة القديمة تُستثمر تجارياً لأجل المطاعم فقط, و الغوطة اختفت عملياً…

    من المؤسف أن يحصل هذا..

    تحياتي

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s