من الصحن الطائر إلى الكوكب الغارق!


by Skott Chandler- Flickr
by Skott Chandler- Flickr

هاني نعيم

إنه ليس كائناً أخضراً. ولشدّة اندماجه بالحياة اليوميّة، لم يعد بالإمكان تمييزه عن الكائنات الحيّة على “الأرض. يرفض كل ما يُشاع في الأوساط الشعبيّة والإعلاميّة بأنه كذلك. لديه حساسيّة عالية تجاه هذا الكوكب، الذي مرّ على تواجده عليه أكثر من عشرة سنوات.
هنا، اختبر ما لم يستطع اختباره في “الفضاء” الأتي منه. ففي الحد الأدنى، اختبر جسده لأول مرّة، ودخل لعالم مختلف، لا يمكنه لحظه على كوكبه الأم، كون طبيعة تكوين الحياة مختلفة عليه.
ورغم بؤس كوكبنا، الأرض، استطاع الانجذاب إليه، وفي قرارة نفسه، كان يتمنّى لو أنّ أهل كوكبه ينسوه على “الأرض”، مع أنّه يعرف بأنّ كوكب الأرض مهدد بالموت بعد تطور حياة بعض الكائنات عليه مثل القردة، وانقراض بعضها الآخر كالديناصورات الجميلة.
قرأ الكثير عن مسيرة القردة وتطورهم. من شعلة النار في الكهوف إلى الانبعاثات السامّة من المصانع الكبرى. من القبيلة على ضفّة النهر إلى القبيلة الافتراضيّة على “الفايسبوك”. من ترويض الفيلة إلى الطائرات النفّاثة. من المنجنيق إلى القنابل النوويّة. “مدهش هذا الكائن!” يقول في سرّه.
كثيراً ما يتنصّت على أحاديث الناس في الأماكن العامّة، من مقاهي وحدائق وباصات، حول رؤيتهم لمركبات فضائيّة تعبر فوق بيوتهم، في سماء قراهم ومدنهم. هذه الأحاديث تخلق شغف ما في يوميّاته. فهُم يتحدّثون في الواقع عن الزيارات السريّة المتكررة لأبناء جلدته المستكشفين للكوكب. وأحياناً، يكون هو على متن إحدى تلك المركبات، متنقّلاً من دولة إلى أخرى، لمتابعة بعض النشاطات التي قد تؤثّر على كوكبه، مثل قرار بعض الدول والمنظمات البحث عن كوكب بديل للعيش عليه، بعد موت الأرض، واندثارها في ظلام وبرد قارسين.
في البدء، راودته الكثير من الأفكار حول إنقاذ البشريّة، ومساعدتهم للوصول إلى كوكبه، الذي يشبه الأرض لحد بعيد، ويمكنه أن يكون صالحاً لهم، حيث بإمكانهم خلال فترة قصيرة التأقلم مع ظروفه، وبدء حياتهم من جديد هناك. ولكن مخيّلته التي لا تهدأ، والتي تساعده على رسم السيناريوهات من أفضلها إلى أسوأها، ادخلت الذعر إلى مفاصل جسده الدائم الحيويّة، وساعدته على التفكير بما يمكن أن يصيب أهله وشعبه.
بدأ يتخيّل ما سيحل بكوكبه الجميل الذي يغمره السلام والحريّة. تخيّل انتقال الأديان الزرقاء بكوارثها “الأرضيّة” على بني شعبه. “ستحوّل الكوكب لسجن كبير. وتبني جدراناً فولاذيّة بين المجموعات السكانيّة، وأيضاً أنهار من الدماء بحثاً عن الجنّة الموعودة.”
تساءل كيف بإمكانهم تفهّم أفكار تناقض حريّتهم وتكبّل حراكهم، كالأنظمة السياسيّة والتقاليد البالية والربح السريع والجوع والفقر والعنصريّة والكراهية، وغيرها من مسائل “إنسانيّة” تنتشر فوق سطح اليابسة.
انتابه الخوف لمجرّد فكرة أن يتحوّل الفضائيون إلى مجرّد سلع تباع وتشترى في سوق الربح السريع، ولتلوّث كوكبه نتيجة الانبعاثات السامّة من المعامل. لم يستطع تأمّل سقوط منظومة السلام والحريّة واستبدالها بقيم “الإنسان القاصر عن إدراك إله قابع وراء غيمة” أوالبحث عن جنّة مملّة وحروب لا نتيجة لها سوى كوارث اخرى.
***
“هُم من حوّلوا الأرض إلى ما هي عليه اليوم. وبالتالي ليتحمّلوا مسؤوليتهم. لديهم فرصة في كوبنهاغن، الشهر المقبل، ليستدركوا واقعهم. لأنتظر النتائج. عندها أبقى هنا، أو أعود لكوكبي، فقد سئمت دوائرهم الفارغة.” يقولها في قرارة ذاته. ولوهلة يصدّق ما يُحكى في الإعلام، يستدرك، يأخذ سيجارة هزيلة، ويتأمل “هل فعلاً الحل في كوبنهاغن؟ أم في مكان آخر، حيث تغرق الأرض بذهنيّة يجب قلبها؟”

العدد صفر. شباط 2010
نشرت في مجلّة “كزامزا”

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “من الصحن الطائر إلى الكوكب الغارق!”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s