ما بعد كوبنهاغن.. أسئلة مطروحة على الحركة البيئيّة اللبنانية


هاني نعيم

«لدينا فرصة إنقاذ الكوكب في كوبنهاغن». قد تُعتبر هذه العبارة الأكثر استخداماً على سطح الأرض في العام الماضي. هذا الإنذار أطلقته الحركة البيئيّة العالميّة للفت أنظار العالم إلى مخاطر التغير المناخي وأثره على مصير الإنسان والأرض، عاقدة الآمال بتوصّل الدول في كوبنهاغن، إلى اتفاقيّة تهدف للحد من الانبعاثات الكربونيّة، قبل فوات الأوان.
وبغض النظر عن التوصيفات والتقييمات التي تطلقها المنظمات البيئيّة، انطلاقاً من رؤيتها الخاصة للمسألة: فشلت قمّة كوبنهاغن.
وفي ظل هذا الفــشل، وتأجـيل المفاوضـات لعــام آخر في المكسيك، إلى أين تتّجه المفاوضات؟ هل الحل البيئي ما زال ممكناً؟ هل الطاقة النظيـفة والبديــلة قادرة على الحلول مكان النفط والغاز والفحم؟ أسئلة تحاول الإجابة عليـها الحركة البيئيّة اللبــنانية، التي أخذت تجــربتها بالتوسّع، مع بــروز أحــزاب ومنظّمات تحـمل مـشاريع «خضراء».
قد تتفق المنظمات البيئيّة اللبنانيّة على توصيف القمّة بالفشل، ولكن هذا لا يعني أن الجميع يرى هذا الفشل من منظار واحد. يعتبر المدير التنفيذي لمنظمة «اندي آكت» وائل حميدان أنه «رغم فشل القمّة، فهي تحمل تقدّماً نسبة لمسار المفاوضات السابق، إضافة إلى إنجازات أبرزها إنشاء صندوق تموّله الدول الصناعيّة من أجل نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية، بمعدّل عشرة مليارات دولار سنويّاً وصولاً إلى 100 مليار في 2020».

أما رئيس حزب البيئة اللبناني حبيب معلوف فيذهب باتجاه آخر، معتبراً أن «فشل القمّة متوقّع قبل حصولها، ولكن هناك ما هو أخطر من فشلها بحد ذاته، وهو غياب دور الأمم المتحدة عن المفاوضات». وبالنسبة لأمين سر منظمة «غرين لاين» علي درويش فإن «قمّة كوبنهاغن كانت أشبه بجنازة لمن يُريد القيام بواجب التعزية».
وفي هذا الاتجاه، يؤكّد الباحث والناشط البيئي المستقل طوني صغبيني أن «فشل كوبنهاغن ليس مجرّد فشل مؤتمر. هو سياق سياسي ـ اقتصادي تراكمي بدأ مع استخراج أول برميل نفط. الموضوع لا يُحل في مؤتمر واحد. ولن يُحل في القمة القادمة في المكسيك».
***

حل بيئي أم تغيير جذري؟
في السابق، عقد الكثيرون الآمال على كوبنهاغن، ومنهم من نعاها قبل حصولها. واليوم، يتكرر المشهد مع «قمة المكسيك» التي ستعقد العام القادم، ما يطرح تساؤلات حول أصل المشكلة والحل.
هنا، تتفاوت الرؤى التي تنطلق منها كل منظّمة. تعتبر «اندي آكت» أنه يمكن الوصول إلى حل بيئي لمسألة التغيّر المناخي دون ارتباط ذلك بحلول حياتيّة أخرى. ولتوضيح وجهة النظر هذه، يعطي حميدان مثالاً على مشكلة طبقة الأوزون التي عولجت بحلول بيئيّة بحتة غير مرتبطة بحلول سياسيّة ـ اقتصاديّة، أو حتى حياتيّة.
يتوسّع بوجهة نظره: «المسألة مرتبطة بالإرادة السياسيّة. لا يوجد نظام صحيح وآخر خاطئ. ألمانيا تعتمد الرأسمالية كنظام اقتصادي، ولكنّها وضعت البيئة ضمن أولويّاتها. بينما الولايات المتحدة «الرأسمالية» سيطرت عليها الشركات وهي من اكبر الملوثين عالمياً، ولا تلتزم بالاتفاقيات البيئيّة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاتحاد السوفياتي»الاشتراكي» الذي كان من اكبر الملوّثين عالمياً، قبل سقوطه. المسألة تتعلّق بمسؤوليّة المجتمع ومدى وعيه». ولكنّه لا ينفي «ضرورة تغيير بعض الأنماط الاقتصاديّة للمساعدة على حل التغير المناخي».
وجهة النظر هذه تتقارب مع توجّهات «حزب الخضر اللبناني»، إذ تؤكّد نائبة رئيس الحزب ندى زعرور أن «القرار السياسي هو المسؤول عن تدهور البيئة. والحلول معطّلة بقرار سياسي».
من جهّة ثانية، تحمل منظّمات بيئـيّة أخرى رؤى أكثر جذريّة وراديكاليّة. لا تؤمن بأن الحل البيئي منفصل عن المسائل الحياتيّة الأخرى. بل ترى أن المشاكل البيئيّة، وفي طليعتها التغيّر المناخي هي نتيجة النظام الاقتصادي الحر وقيمه القائمة على النمو، الاستهلاك.. والربح السريع.
في هذا الصدد، يوضح معلوف أن «المشكلة هي في الرأسمالية. وعلى الإنسان أن يغيّر نمط حياته وطريقة عيشه ليحفظ مصيره ومصير الكوكب». ويتّفق درويش مع معلوف في ما يتعلّق بـ«أصل المشكلة»، ويضيف أن «الدول لا تريد تغيير نمط الاقتصاد». أمّا صغبيني فيجد أن «مشكلة بعض التيّارات البيئيّة أنها تريد معالجة النتائج وليس السبب. الاقتصاد القائم على النمو يبلع 1000 برميل نفط كل ثانية، وبدون هذه الطاقة فإن الحضارة الصناعيّة التي نعرفها ستنهار».

***
الطاقة البديلة: هل هي بديلة؟

ومن ضمن «صراع الرؤى»، يبرز نقاش يتمحور حول الطاقة البديلة عن الوقود الأحفوري من نفط، غاز وفحم، وإمكانيّة تحصيل نمو اقتصادي مرتفع، وفي الوقت عينه الحدّ من الانبعاثات الكربونيّة.
يعتبر حمـيدان أن ذلك ممكن، موضحاً أن العديد من الدول الأوروبيّة بدأت اعتماد الطاقة الـبديلة، وهي ما زالت تحــقق نسب نــمو لا بأس فيها. يـذكر على سبــيل العرض، الدانمارك التي تشكّل الطــاقة البديــلة حوالى 30 في المئة من مجموع استهلاكها للطاقة. كذلك الأمر بالنسبة لايسلندا التي تغطي نسبة عالية من استهلاكها للطاقة من الحرارة الجوفية.
يبدو أن القارّة العجوز هي «قِبلة» البيئيين، كنموذج بدأ يعتمد الطاقة البديلة. يقول درويش: «بعض التجارب هناك توحي بأنه يمكن تحقيق النمو والحد من الانبعاثات في الوقت نفسه. فألمانيا تزيد كل عام من اعتمادها على الطاقة الهوائيّة بنسبة 1 في المئة، وهي مستمرة في النمو. إضافة لمشاريع إستراتيجيّة تقوم بها القارة، منها إنشاء خلايا شمسيّة في شمال أفريقيا لنقلها إلى أوروبا».
رغم بعض التفاؤل حول إمكانيّة نشوء نماذج للطاقة البديلة، يقول صغبيني إن «مصادر الطاقة البديلة غير قادرة على سد جوع الحضارة الصناعية للطاقة. وحتى الآن، الطاقة البديلة، تقنياً، غير قادرة على موازنة استهلاك النفط. حياة الأرض تتدهور بسرعة أكبر من حلول الطاقة البديلة. وهذا سيأخذنا إلى حائط مسدود».
أما بالنسبة لمعلوف، الذي يعتــبر أنه لا يوجد نمـاذج للطاقة البديلة تستطيع التعويض تماماً عن النفط، فيرى أنه «على المــستوى الوطني، لو اعتمدنا منذ التسعينات الطاقـة البديلة، لكــنّها الآن نموج يحتذى به».
يتّضح مما تقدّم أن الطاقة البديلة غير قادرة الحلول بالشكل الكافي مكان الوقود الاحفوري، ما يطرح تساؤلات تتعلّق بأفق الحل وإمكانيّات إنقاذ الإنسان والكوكب.

***

أفق بحائط مسدود؟
كل منظمة لها رأيها، ولديــها الــحل الذي تراه مناسباً. تتقاطع مواقفها في نــقاط وتخـتلف في أخرى. من جهة، يــرى حــميدان أنه على الشعوب أن تضحّي بنمط حيـاتها، «وهذا يجــب أن يُفــرض في مكان ما». بينما يعتقد درويش بأنـه «يوجد ذهنية عالمية تقوم على انه «لن نحل الأزمة». لا احد يريد الحل. عمل الســياسيين يرتكز عـلى إدارة الأزمات وليس حلّها. لسنا متشائمين، ولكن هذا الواقع. الحائط المسدود أمامنا».
من جهتها، تؤمن زعرور بأن «الشعوب في الدول الصناعيّة أصبحت أكثر وعياً لهذه المسألة، وعليها مسؤولية الضغط على حكوماتها للحد من التدهور الذي وصلنا إليه». أما معلوف فهو يؤمن بإخراج تكنولوجيا الطاقة المتجددة من الحقوق الملكية الخاصة، وتعميمها على الشعوب. إضافة، إلى «أن التمويل الذي يدفع على الطاقة النووية إن دفع نصفه لخلق تكنولوجيا متجددة يمكن خلق حلول. ولكن الدول الصناعيّة لن تقوم بذلك». ويضيف: «نحن بحاجة لفكر ثوري جديد، لنتفادى الحائط المسدود الذي نتجه إليه».
وعن الخــيارات والحــلول التي نحـن أمامها، يقــول صغــبيني: «نحن أمام خيــارين: إعــادة هيكلة عــالميّة شــاملة لاقتــصادنا وأسلوب حياتــنا، أو الوقوع في الفخ الذي بنيناه لأنفسنا عبر نظام اقتصادي قائم على النمو وغير قادر على الاستمرار في كوكب محدود». ويضيف «إن أصرّت الحكومـات والشركات على عــدم تغيــير الاتجاه، فمن الأفضل لها أن تتحضّر لحماية نفسها، لأن حـياة الشعوب أصبحت على المحك، وأن لا يتوقعوا من المجتمعات أن تتدهور حياتها من دون ردّة فعل!».

الأربعاء 3 شباط 2009

جريدة السفير

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

6 thoughts on “ما بعد كوبنهاغن.. أسئلة مطروحة على الحركة البيئيّة اللبنانية”

  1. أنا متشائم جداً بخصوص البيئة.. و رغم كلّ إرادتي و رغبتي بأن أكون مخطئاً في هذا التشاؤم إلا أنني لا أعتقد ذلك للأسف.

    المصالح الاقتصادية المرتبطة بنمط الانتاج الحالي, هذا الذي يحرق البيئة بخطوات متسارعة, أقوى بكثير من إرادة دول بأكملها.. و هذا واضح جداً من خلال كلّ ما يحدث…

    تحياتي

    أعجبني

  2. الرجاء الاطلاع على الكتاب الموجود على الروابط بالادنى (حول مشكلة البيئة – أسبابها و كيفية معالجتها في نظر الاسلام)

    باللغة الانكليزيةhttp://www.khilafah.com/images/images/PDF/Books/EnvEng.pdf

    باللغة العربيةhttp://www.khilafah.com/images/images/PDF/Books/EnvAra.pdf

    أعجبني

  3. قرأت كتيّب كيفية معالجة مشكلة البيئة في نظر الإسلام. لذيذة الفكرة، يعني بيطلع معنا بالآخر انه حلّ أزمة التغيّر المناخي بيتمّ عبر اعتناق الإسلام، لأن حسب اللي عرفته الاشكمان بسيّارة المسلم بيطلّع انبعاثات كربون أقلّ من الاشكمان بسيارة النصراني المشرك. لمن يعتنق العالم الإسلام، بيتنخفض الانبعاثات الكربونية دغري من دون أي ضرورة لأي إجراء آخر، بتروح الحاجة للتدفئة لأن الإيمان يدفىء قلب المؤمنين، وبتروح الحاجة للتنقلّ بالسيارة أو الطيارة لأن بيصير فيهم المؤمنين يسروا ويعرّجوا على حصان طائر من منطقة لمنطقة، وبتنتفي الحاجة لصرف الأموال على البحث العلمي لأن أي مشكلة مهما كانت شائكة يمكن معالجتها بشوية دعاء ليلي وبكلمة “اتّكلنا على الله” وبشعار “الإسلام هو الحلّ”. لمن يعتنق العالم الإسلام بتتحوّل أنهار النفط إلى أنهار لبن وعسل وبتوقّف تلويث الكوكب. طبعاً، يبقى هناك بعض انبعاثات الكربون التي لا يمكن تجنّبها في دولة الخلافة، والناتجة عن حرق الكتب وحرق الأحرار.
    فعلاً “الإسلام هو الحلّ” لكل شيء، ومن ضمنها مشاكل الصرف الصحّي بالمدن الكبرى.

    (ملاحظة: هيدا التعليق مش لفتح نقاش، لأن النقاش ما بيكون مع تيارات معادية للحرية)

    أدون

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s