الفن عدو “الله”


 Sleeping Nymph and Shepherd By Jan Gerritsz van bronschorst

رداً على “معهد الفنون الجميلة: نحو الالتزام الديني، تابع سيرك”-

يبدو أن الموضوع، باحد المطارح، نجح أن يكون بادرة نقاش واسع (في منتدى صوتك)، حول مفاهيم وإشكاليّات عديدة، وهذا يسعدني. رغم أن البعض يناقش وكأنه يمتلك الحقيقة، والجنّة، والحكم على الآخرين. فينتقل خطاب التخوين السياسي،  الذي يقسّم الناس بين فئات عميلة واخرى شريفة، المستخدم في الحياة السياسية اللبنانية، إلى النقاش الاجتماعي، ولو بمصطلحات اخرى.

التخوين والتصنيف السياسي يتزاوج مع الخطاب الديني، في ذهنيّة زرقاء “إن لم تكن معنا فأنت ضدنا”.

الأخلاق؟

قد تكون “الأخلاق” هي العبارة الأكثر استخداماً، للهجوم على التحقيق وكاتبه وكل من يرفض تحويل المعهد من مكان للإبداع إلى مكان عادي آخر يخضع للحركات الدينيّة وفكرها.

ولكن ما هي الأخلاق فعلاً؟

صراحة؟ لا اعرف ما هي الأخلاق تحديداً، واتمنّى لو يشرح لنا أحدهم ما هي الأخلاق الشرقيّة؟

على سبيل المثال:

البعض يعتبر إبراز شعر المرأة هو ضد الأخلاق، ويجب حجب شعرها عبر قطعة قماش مقدّسة!

البعض الآخر يعتبر أن الأخلاق يُحافظ عليها عبر حجب جسد المرأة، وبالتالي حجبه عبر قطعة قماش سوداء أكبر تمتد من شعرها حتى أخمص قدميها!

وهذا النقاش “الأخلاقي” يدور بين الدينييّن.

حقي، حقك، حقنا، حقهم

من حق أي كان أن يرفض ما يشاء، ويستقبل ما يشاء، ويفكّر بما يشاء. وقد يكون من حق أي كان رفض الآخر وثقافته وافكاره.

لذا من غير المستغرب أن يرفض البعض أنواع من الفنون ويعتبرها ضد الأخلاق، إضافة إلى نعت كل من لا يؤيّده فكره بأنه “متفلسف”.

في السابق، كان الخطاب الديني ينعت كل من يخرج عن “الإطار” بالزندقة والهرطقة، وكان النعت يترافق مع تهديد وملاحقة، وأحياناً كثيرة يصل إلى حد القتل.

المنطق الديني مازال كما هو، لم ولن يتغيّر.

فأنتَ إما معنا أو الجحيم سيكون من نصيبك.

إما معنا بنظرتنا الدينية الزرقاء أو أنت منحلّ اخلاقياً وغير سويّ، ومستورد لثقافة غربيّة، أو عميل، أو كافر.. أو غيرها من المصطلحات الإقصائيّة والإلغائيّة التي ينضح بها الخطاب الديني الأزرق، وما أكثرها!

هنا بيروت، هنا مسقط

أخبرني صديقي عن الفروقات الثقافيّة بين بلده ولبنان.

هنا، مازالت الأمور أفضل من هناك.

هنا مُنع “الموديل العاري” في معهد الفنون، أما هناك، تُمنع أغنية من الظهور، كونها ضد “شرع الله، والأخلاق والتقاليد”.

ولكن رغم الفوارق الكبيرة، فهي آخذة في الانحسار يوماً بعد يوم، بفِعل المد الديني.

الدبكة ضد “الله”

الجميع توقّف عند مسألة “الموديل العاري”. لم يعلّق أحد على منع الدبكة في الجامعة، لأن طفل وطفلة شبكا ايديهما ببعض. والحجّة “هذا يُدنّس فلسطين، وضو ضد الله، وشرعه، والأخلاق العامة”.

هذه رقصة الدبكة، الآتية من روح الشعب، وتاريخه الطويل، والتي تشكّل رمز شعبي ثقافي بامتياز، أصبحت بنظر الدينيين ضد “الله”. أينَ الآخلاق هنا؟

يبدو أن ذهنيّة التحريم تتغلغل في كل شيء. أصبحت نمط حياة لشعوب بأكملها، تمتد من المحيط إلى الخليج. هو الفراغ يمتلأ بفراغ “أرزق”، ويقود لثقافة “زرقاء”.

من الجدير ذكره، أن “الموديل العاري” في السابق  كان موجوداً في الجامعة، ولم يكن أحد لديه اعتراض عليه، هذا الاعتراض جاء بعد انتهاء الحرب، مع انحسار الحركات الوطنية والعلمانية واليساريّة، وبروز الحركات الدينيّة الزرقاء التي عرفت كيف تملأ الفراغ بـ..فراغها!

الفن.. في المستقبل القريب

كتب أحدهم تعليقاً على مدوّنتي، حاول فيها تخيّل الفن لاحقاً.

في الرسم، سيقوم الطلاب برسم الخط الكوفي.

في المسرح، سيشاهد مسرحيّة عن الخلفاء الراشدين وعاشوراء، وموقعة أُحُد.

الحفلات عبارة عن اناشيد دينيّة.

في الهندسة والتصوير، سيدرس الطلاب عن هندسة بناء الجوامع (وبعض الكنائس إن بقيت)، وأهميّة صورة المجسد في بناء شخصيّة الأمة.

“الأخ الأكبر” يحاصرك!

يوميّاً، نسمع أو نقرأ خبر عن اعتقال مدوّن في العالم العربي، أو عن ملاحقة صحافيين ومبدعين وتهديدهم بالطرد من البلاد، أو القتل.

ونسمع أيضاً، عن منع قناة تلفزيونيّة، أو حذف مشهد من فيلم، او منع مسرحيّة من العرض، أو مصادرة كتاب او عدد من جريدة.. إلى غيرها من الرقابة الصادرة إن كان عن الأنظمة السياسيّة، أو عن السلطات الدينيّة التي تتمثّل بالحركات الدينية، خطباء الجوامع، رجال الدين، الإعلام الديني ..

ما يجري في لبنان، هو خليط من هذه السلطة: حركات دينيّة آخذة في التمدد، طوائف مسعورة، رجال دين لا يحاسبهم أحد، وخطاب ديني يخاطب الغرائز البدائيّة كعادته.

هكذا، تكبّل حياتنا سلسلة طويلة من السلطات التي تبدأ بالنظام القمعي ولا تنتهي بالرأسماليّة والإحتلال، والمد الديني الأزرق.

يمكننا أن نسأل، ماذا يخبأ لنا العقد القادم في ظل الانتشار الطحلبي للحركات الدينيّة التي تنشأ كل يوم في بلاد الضاد؟ أي ثقافة نبني؟

خصوصاً، وأننا ننحدر في ظل صمت الفئة التي تعتبر بأنها تمتلك البديل. هي تصمت دون أن تواجه المدّ الأسود بشكل جدّي وحقيقي.

ملاحظة: من ضمن النقاش حول جدليّة الدين والفن، كتب طوني الصغبيني في مدوّنته بحثاً صغيراً، عن الموضوع قسّمه لعدة اجزاء. (الموضوع بالانكليزية)

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

8 thoughts on “الفن عدو “الله””

  1. حدثت مسألة مشابهة في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق إلا أنها لم تلق تجاوباً إعلامياً…

    هؤلاء الناس غريبون عجيبون.. يتحدّثون عن مقاومة الغرائز عندما يكونون هم الذين يرون فرج امرأة في كل مكان ينظرون إليه.. هم المهووسون بالجنس و هم الغريزيون و إن قنّعوا غريزتهم بلحاهم.

    أسفاه …

    تحية

    أعجبني

  2. (تقتضي المصلحة السياسية ان يكون للطوائف دور في توجيه ومراقبة القطاع الجامعي في لبنان، لأنها بالتحديد طوائف جماعات دينية في الأصل والغاية. الأيديولوجية الطائفية نظرة الى السياسة مشتقة من نظرة دينية الى العالم. ومن هنا اهتمامها الشديد بشؤون المعرفة، وبخاصة المعرفة المتطوّرة حول الانسان والمجتمع. القضية في غاية الجدية، فلا تساهل فيها، على الرغم من اعتراف الجميع بمبدأ حرية التعليم، وذلك لأن صيانة المصلحة السياسية للطوائف تقتضي حماية نظرتها الى ذاتها والى العالم حولها من المخاطر المباشرة والايديولوجيات وعلوم الانسان والمجتمع يمكنها ان تطرح على الرأي العام، خارجاً عن الالحاد، تصورات ونظريات قادرة على تفكيك الايديولوجية الطائفية وتجاوزها. وبناء عليه، تحرص الايديولوجية الطائفية على ابقاء القطاع الجامعي خالياً من كلّ ما يتعارض مع الايمان والعقيدة، ومعتدلاً جداً، ومتوازناً جداً، وواقعياً جداً، في ميادين التاريخ والسياسة والاجتماع والفلسفة والاخلاق وما اليها. ونكتفي في ما يلي ببعض الملاحظات حول هذه السياسة لمزيد من الوضوح.)

    هيدا جزء من مقال للدكتور ناصيف نصار، نشر من فترة في جريدة النهار بيحكي فيه عن “بيروت الجامعية” (الجامعات الموجودة في لبنان ككل، ومنهم الجامعة اللبنانية طبعاً) ودرجة أثرها في التنوير والريادة، بعد الحديث عن أحوالها.

    http://www.alarabiya.net/views/2009/12/14/94161.html

    أعجبني

  3. تحياتي ياسين،
    للاسف الإعلام لا يضيء على هذه المسائل، لاسباب كثيرة، ابرزها بأن تمويله يأتي من تلك الجهات.
    باحد المطارح، معركتنا هي ايجاد وسائلنا المستقلة عن اموال هؤلاء والارتهان لخطابهم، والانترنت يبيح لنا ذلك.

    عاصم صديقي،
    شكراً لمشاركتنا المقال حول الجامعات في لبنان.

    أعجبني

  4. للأسف كثير من الأمور تؤوّل بأنها من اكبر الكبائر في الدين، مثل: “الجميع توقّف عند مسألة “الموديل العاري”. لم يعلّق أحد على منع الدبكة في الجامعة، لأن طفل وطفلة شبكا ايديهما ببعض. والحجّة “هذا يُدنّس فلسطين، وضو ضد الله، وشرعه، والأخلاق العامة”.”
    لكن أمور قتل الأخ لأخيه وغيرها، ليست الأولوية عند نفوسهم المريضة.

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s