هواجس صرصور في زمن العولمة


هاني نعيم

وبدأ الصيف. يخرج أحد صراصير المدينة المهمّشين من وكره. يشعر بالملل. القرف. والشوب. هي ثلاثة أشهر يمضيها في الخارج، متسكّعاً بين الناس، على الأرصفة، في الأزقة، وأحياناً كثيرة في الغرف الحميميّة، ليعود بعدها إلى بيته، ويرتاح الفصول الباقية.
هو صرصور عالمي، لا حدود لترحاله، خصوصاً أن الدول لا تعترف به كإحدى شخصيّات القانون الوطني، أو الدولي. يحاول «عدم الموت». لا يريد من الناس أي شيء، سوى احترامه، وعدم قتله عندما يصادفونه في يوميّاتهم. «بماذا تختلف القطط عنّي؟ أو حتّى العصافير؟ لتعامل من الناس بشكل جيّد»، يسأل نفسه.
وتبدأ الفرضيّات: «هل صمتي سبب انزعاجهم منّي؟»، «لوني البُنيّ يصدمهم؟»، «عليّ حلق شاربيّ؟ رغم أن الكثير من الفلاسفة لديهم شوارب أكثف مني». يجادل ذاته. رغم يقينه بأن شكله يحدث صدمة لمن يراه، فهو غير مألوف، مع أنه رافق الإنسان في مراحل تطوره. ليستنتج أخيراً: «يبدو أن الإنسان محظوظ أكثر منّي».
هذا الاستنتاج لم يروِ عطش الأسئلة الوجوديّة التي تراكمت لديه منذ ولادته، فأهله المنهمكون في التفاصيل المعيشيّة، كانت أجوبتهم «معلّبة»، عدا عن أنها «غير مقنعة»، على الأقل بالنسبة له. هكذا، لاحقته الإشكاليّات الوجدانيّة، كظلّ شاربيه في هذا اليوم الجحيميّ. «هل أنا خطير على الإنسان لدرجة أن يخترع أدوية تُبيدني وشعبي؟». «لماذا لا نعامل كدببة الباندا؟ الإعلام ينقل يوميّاً، على الأقل خبراً واحداً عن دبّ الباندا، إن كان مصاب بوعكة صحيّة، أو إسهال.. أما نحن فنموت بالآلاف يوميّاً، ولا يأتي على ذكرنا أحد، حتّى في صفحة الوفيّات. وكأنّها من الروتين اليومي المعتاد».
***
هو لا يشعر بالدونيّة. يسأل فقط أسئلة تراكمت في لاوعيه. ولكن ليس فقط وجوده ما يعنيه. بل يذهب لمقاربة «إبادة شعبه» من وجهة بيئيّة بحتة. «كيف يريدون الحفاظ على التوازن والتنوّع البيئيّين، وهم يصرّون على قتلنا بأسلحة الدمار الشامل. أين جمعيّات الرفق بالحيوان، والمجتمع المدني، أين الـGreenpeace والأكثر أين كولن باول، وبان كي مون، ومجلس الأمن؟».
***
«رزق الله ع أيّام الكاتول ومبيدات دبّوس الأصلي». يضحك في سرّه، كونَ هذه المبيدات كانت غير فعّالة، والهرب منها سهل، أما الآن: «التكنولوجيا خبيثة، كمخترعيها». يشتم ويلعن، مفتّلاً شاربيه كمثاله الأعلى، جدّه الذي اغتيل في أحداث الأنفاق في نيويورك، في صيف 1934، وبعدها توزّعت العائلة على المدن الكبرى، وأخرى فضّلت العودة إلى الريف كونه، «أكثر بدائيّة وصرصوريّة».

الأربعاء 22 تموز 2009

جريدة السفير

للمتابعة حول هواجس مبيدي الحشرات:

محمد مسلماني، مبيد الحشرات والصراصير! (في جريدة الأخبار، عدد الأثنين 27 تموز 2009)

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

5 thoughts on “هواجس صرصور في زمن العولمة”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s