بعد حرب تموز 2006: أينَ المجتمع المدني؟


هاني نعيم

منذ اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي على لبنان، في تموز 2006، انتفض المجتمع المدني اللبناني (والفلسطيني في لبنان)، من ناشطين، هيئات وجمعيّات، وأخذ المبادرة في صد العدوان، على مختلق الأصعدة: الإعلامية، المدنية، الإنسانية، اللوجستية، الصحية.. وغيرها.
رفض أن يكون مجرّد شاهد. انتقل إلى فِعل المقاومة، ليشكّل نموذج المجتمع المدني المقاوم في العالم العربي.
برزت حينها العديد من الهيئات المدنيّة، بآليات عمل ديناميكيّة ومبتكرة، ساعدت على تأمين حاجات النازحين، في ظل غياب شبه تام للدولة ومؤسساتها، التي كانت أشبه بـ«جمهور» الحرب، وكأنّها جالسة إلى جانب روّاد الفضاء الذين شاهدوا، بالعين المجرّدة، من مركبتهم على سطح القمر، الصواريخ أثناء رميها، من جيش «الدفاع» الإسرائيلي على الشعب اللبناني.
كما أن نموذج عملها وحركته وفعاليّته كان محط أنظار الإعلام العالمي بشكل عام، والغربي بشكل خاص، الذي كتب كثيراً عن أعمال ونشاطات المجتمع المدني أثناء العدوان الذي عوّدتنا عليه آلة الإرهاب الصهيوني.
وبعد انتهاء الحرب، أخذ المجتمع المدني المبادرة من جديد. اعتبر «الحرب تنتهي، عندما يعود جميع النازحون إلى منازلهم في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت». وهكذا حصل. انتقل عمل هيئات المجتمع المدني إلى تلك المناطق، حيث أقام مركزيّات عمل في عدد من قرى الجنوب، وتراوحت أعماله حينها، بين تأمين حاجيّات العائدين، وإزالة آثار العدوان النفسيّة عن الأطفال، والعمل التنموي المجتمعي.
وبعد ثلاثة أشهر، من انتهاء الحرب وعودة النازحين، «سكن» المجتمع المدني، وعادَ إلى بيروت!

***

بلا شك، تعتبر حرب تموز 2006، مفصليّة على صعيد الصراع العربي – الإسرائيلي، حيث أنها أدخلت معادلات جديدة على الصراع. وكذلك الأمر، هي مرحلة مفصليّة للمجتمع المدني اللبناني، فهي المرّة الأولى، (أو الثانية إذا ما أخذنا في الاعتبار فورة المجتمع المدني عام 2005، بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري)، التي يكون فيها المجتمع المدني في حالة تأهّب واستنفار، وديناميكيّة وحركيّة استطاعت إبراز مسألة مهمّة في المجتمع المدني، وهي: يمكنه أن يتحمّل المسؤوليّة، ويبادر، ويخترق التعليب، ويرسم مساراً متمايزاً، ويساهم في تعزيز دور المواطن في مقاومة الاحتلال، بعد انكفاء المقاومة العسكرية لتحصر في فئة محددة من الشعب اللبناني. (على الهامش: الطائفة التي تحمل لواء المقاومة العسكريّة، لا تتحمل وحدها مسألة حصر المقاومة بيدها!)

كما أن الشباب، الذين شكّلوا العمود الفقري لهذه التجربة، أثبتوا أنهم يمكنهم القيادة، وتحمّل المسؤوليّة، وخوض القرارات والمبادرات، ويمكن أيضاً أن يكونوا موضع الثقة. فهم ليسوا مجرّد أرقام في ميليشيات الطوائف، أو تابعين ينفّذون قرارات زعمائهم.

***

بعد ثلاث سنوات، من الحرب، أين المجتمع المدني من هذه التجربة؟

قد تكون الحرب واستنفاراتها، فرضت نفسها على طريقة وآلية العمل حينها. ولكن لم تأخذ هذه التجربة مداها في المجتمع المدني. طويت الصفحة مع عودة النازحين لبيوتهم. ولم يُعمل على تحويل هذه الخبرة والتجربة إلى منصّة للانطلاق إلى فضاءات أكثر عمليّة وجديّة، وأكثر عمقاً في مقاربة النظام السياسي ـ الاجتماعي، وآليّات العمل.
لم تُدرس هذه التجربة بتفاصيلها، ومحاولة استخلاص العبر والدروس منها، للعبور إلى مجتمع مدني أقل فطريّة في توسّعه، وأكثر صلابةً في امتداده. العبور إلى مجتمع مدني أكثر التصاقاً بالناس، وقضاياهم، مثلما اقترب والتصق المجتمع المدني، قبل ثلاث سنوات، بالناس ومعاناتهم.

فاتنا الكثير. ولكن ما زالت الفرصة مواتية لأخذ هذه التجربة بعين الاعتبار.

ملاحظة: المقالة كتبت بناء على تجربة شخصية في أعمال الإغاثة المدنيّة في حديقة الصنائع، أثناء حرب تموز 2006، وما بعدها في «عودة النازحين» الى قرية عيتا الشعب الحدوديّة.

الأربعاء 15 تموز 2009
جريدة السفير

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s