السجون اللبنانيّة: واقع يتعارَض مع الانسانيّة


هاني نعيم

قبل الحديث عن واقع السجون اللبنانية، لا بد من القاء لمحة تاريخيّة عامّة عن وظيفة السجن، وتطور مفهوم العقاب مع تطور المجتمعات.

لمحة تاريخيّة عن مفهوم السجن/ العقاب

تمثل مرحلة تنفيذ الجزاء الجنائي حلقة هامة من حلقات السياسة الجنائية الحديثة، حيث يتم في هذه المرحلة تحقيق هدف أو أهداف الجزاء الجنائي التي يتم التخطيط لتحقيقها في المرحلة القضائية. وتسعى المؤسسات العقابية إلى وضعها موضع التنفيذ في المرحلة التنفيذية، كل ذلك من أجل القضاء على الخطورة الإجرامية لدى الجناة .

في العصور القديمة والوسطى، كان مضمون التنفيذ العقابي، خاليا من الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية اللازمة لإصلاح الجنائي. ثم خضع هذا المضمون لتطورات، إلى أن اصبح الإصلاح هو الهدف الأول، الذي تسعى إليه المؤسسات العقابية، مع الحفاظ على هدف العدالة وهدف الردع.

ومع ظهور علم الإجرام، أثبتت الدراسات العلمية الجنائية، أهمية العناية بالخطورة الإجرامية لدى الجناة، الناشئة عن عوامل متباينة، للعمل على استئصالها بالوسائل العلمية، من أجل إصلاح الجاني، والحيلولة بينه وبين العودة إلى الأعمال الأجرامية مرة أخرى .

أ. في العصور القديمة: كان هدف العقوبة هدفا انتقاميا. وتطور هذا الانتقام من الانتقام الفردي حيث ينتقم الفرد لنفسه بنفسه، إلى الانتقام الجماعي، بالقصاص من الجاني، تحت إشراف الجماعة. كما استخدم السجن لأغراض سياسية حيث كان الحاكم يعتقل فيه، من يرى في وجودهم طلقاء تهديدا لسلطانه، وكانوا يودعون في السجون لمدد غير محدودة .

ب. في العصور الوسطى: كان هدف العقوبة يتمثل، في تطهير الجاني، ولعبت الديانة المسيحية آنذاك دوراً في التحول إلى هذا الهدف. ورغم ذلك، استمرت العقوبات تتسم بالقوة وعدم الإنسانية .

أما السجون في هذه الفترة من التاريخ فقد كانت مهملة من جانب الدولة، وكانت عبارة عن أبنية مظلمة غير صحية ، تمارس فيها شتى أساليب التنكيل وتعذيب الجناة والمتهمين ، ولم تكن هناك أدنى عناية بالنواحي الإنسانية.

ج. في العصور الحديثة: ظهرت بعض الحركات الإصلاحية، التي تناولت القانون الجنائي برمته، من المرحلة التشريعية إلى التنفيذية، مرورا بالقضائية.

ترافق تطور مفهوم السجن، مع تطور مفهوم العقاب وأهدافه في الأنظمة الجزائية الحديثة. فلم تعد العقوبة لدى المدارس العقابية الحديثة مجرّد وسيلة انتقام أو تكفير، بل أصبحت أداة اجتماعية، لتحقيق أمن المجتمع واستقراره والمحافظة على نظمه السياسية، ودفاعاً عن قيمه المعنوية. بالإضافة إلى إصلاح، وتأهيل الجاني، أو المنحرف عن النظم القانونية والاجتماعية لإعادته إلى المجتمع فرداً صالحاً ومنسجماً مع متطلبات المواطنة كما يحددها القانون.

ومع هذا المفهوم الجديد للعقوبة، لم يعد الاهتمام ينصب فقط على الجريمة أو الفعل الجرمي، بل تجاوزه إلى الاهتمام بالمجرم والظروف والأسباب الذاتية التي تدفعه نحو الإجرام. وبالتالي، فإن تطور مفهوم العقاب اتجه نحو أنسنة التشريعات الجزائية، أي جعلها في خدمة حقوق الإنسان. فالعقاب الجنائي أصبح يشكل ضمانة أساسية لحقوق الإنسان، وقد تحولت مبادئ حقوق الإنسان إلى قواعد للعدالة الجنائية، ومن ثم اعتبرت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان أيَّ عمل من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة انتهاكاً “للكرامة الإنسانية”. وبذلك أصبحت العقوبات البدنية أو الجسدية مثل: الضرب، الإعدام، بتر الأعضاء وغيرها، عقوبات قاسية ولا إنسانية.

واقع السجون اللبنانية

لنعود إلى لبنان وسجونه. أحد المساجين الذين قضوا أكثر من عشرة سنوات وراء القضبان، عاد إلى سجنه، بعد عدة أيام من إطلاق سراحه، بعد أن قام بجرم آخر.

ليس هذا السجين وحده الذي عاد، هو نموذج للكثيرين. وقد تكون هذه الحالات إجابة كافية على سؤال “أينَ لبنان من المفاهيم الحديثة لوظيفة السجون وهدف العقاب؟”.

تعاني السجون اللبنانية، التي يبلغ عددها حوالي 32 سجناً، من مشاكل عديدة، أبرزها:

1.الإكتظاظ الخانق

يعتبر  سجن رومية المركزي، أكبر سجن لبناني، الذي يقع شرق العاصمة بيروت، أبرز نموذج على حالة الإكتظاظ التي تعاني منها السجون اللبنانية.

يُحشر حوالي 4000 سجين في “رومية”، من اصل 6400 سجين في كل السجون اللبنانية، فيما لا تتعدّى سعته القصوى إلا 1500، بحسب المهندس الذي صممه في ستينيّات القرن الماضي.

تفوح، من زنازين السجن، روائح العفن والرطوبة التي تبعث على الغثيان نتيجة خليط من روائح مواد التنظيف الممزوجة بروائح غريبة لا يمكن تحديدها تنبعث من اشباه الحمامات التي تنتصب في زاوية كل غرفة، والتي ترتفع قليلاً عن مستوى ارض الغرفة.

2. بيئة لا تصلح للإنسان

“هذا السجن لا يصلح لأن يكون زريبة للحيوانات”. هكذا يختصر قائد سريّة سجن “بربر الخازن للنساء” وضع السجن أثناء شرحه لأحد الصحافيين، ليطالب بعدها، بإقفاله او “ابقائه مسرحاً للصراصير والجرذان التي تشارك السجينات مأواهن”.

أما ما لا يمكن تصّوره، فهو سجن “الأمن العام”، القابع تحت جسر العدلية في بيروت. هو عبارة عن اقفاص حديدية، انشىء تحت الجسر، كمركز احترازي يراوح عدد الموقوفين بين 350 و450، في حين أنّه مصمّم ليستوعب حوالي 150 موقوفاً في الحد الأقصى.

هنا، ليس الاكتظاظ وحده ما يعاني منه نزلاء السجن، وهم على الأغلب، من جنسيّات مختلفة، موقوفون إدارياً، نقلوا إليه بعدما أنهوا محكومياتهم، قبل ترحيلهم أو تسوية أوضاعهم القانونية في لبنان. إنّها مشكلة هامشيّة، أمام إنعدام أشعّة الشمس، إضافة لتنشّق الموقوفون، بشكل دائم لدخان السيارات والشاحنات العابرة للجسر.

طبعاً، هذه السجون هي نماذج للسجون الموزّعة على باقي المناطق اللبنانيّة، إذ تعاني أيضاً من مشكلة الإزدحام وغياب الظروف الصحيّة والبيئيّة والإنسانية التي لا تراعي الحد الأدنى من حقوق الإنسان، خصوصاً عندما نعلم، ان الابنية التي تستعمل كسجون يعود تاريخها الى ايام الاتراك والفرنسيين، وكانت تستعمل كمرابض للخيول.

3. التعذيب

مازالت السلطات اللبنانية تستخدم التعذيب كأحد وسائل التحقيق في مراكز الاحتجاز والسجون. وقد تضمّن تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش”، الصادر في 13 أيار الماضي، شهادات من عدة محتجزين أفادوا تعرضهم للضرب والتعذيب أثناء الاستجواب، في عدة مراكز احتجاز.

وتتراوح الحالات الموثقة، بين ضرب قوات الأمن لناطور بناية مشتبه بالسرقة أثناء استجوابه، وعناصر من المخابرات يُعذّبون أشخاصاً، مشتبهين بالعضوية في جماعات إسلامية مسلحة، على مدار أيام. وفيما تُجرّم المادة 401 من القانون الجزائي استخدام العنف لانتزاع الاعترافات، فإن القضاء اللبناني نادراً ما يحقق أو يقاضي المسؤولين عن ارتكاب التعذيب المزعوم، ولم تعرف المنظمة إلا بحُكم واحد صدر منذ عام 2004، يدين ضابط شرطة باتهامات على صلة بضرب مشتبه أثناء استجوابه.

مشاكل أخرى

إضافة إلى تلك المشاكل، الآنفة الذكر، تفتقر السجون اللبنانية إلى المساحات الصحية، غياب التهوئة، منع الرياضة والمشي، وبطء المحاكمات والتحقيقات وكثرة عدد الموقوفين احتياطاً، الذين يشكلون ثلث عدد المسجونين وينتظرون محاكمتهم. كما ان العديد من القابعين في السجون، ليس لديهم القدرة على تكليف محام، وفي حالات كثيرة تنتهي مدة محكومية السجناء ولا يستطيعون الخروج بسبب تراكم الغرامات المالية.

كما وتخالف السجون اللبنانية قواعد تنظيم السجون، والتي تتعلق بفرز المساجين كل بحسب جرمه ونوعه وعقوبته وحالته النفسية والمرضية وسنه. فيوضع المحكومون مــع الموقوفين الــذيــن لــم يصدر أحكام قضائية في حقهم. ويشارك أشخاص ارتكبوا جرائم مختلفة ومتنوعة الزنزانة عينها أو الطابق عينه، ما يسمح بتأسيس شبكات وعصابات ويجعل بعض المتخصصين في جرائم معيّنة يعلّمون السجناء الآخرين طرقاً متطوّرة لارتكاب الجرائم، ويدلّونهم على الحيل والأهداف السهلة وسبل الإفلات من الشرطة.

من جهة اخرى، تشكو السجون من غياب التدريب المهني للمسؤولين عن إدارتها، على كيفيّة التعامل مع السجناء بما يمكّن الدولة من تحقيق الأهداف الإصلاحية التي حدّدها القانون. فيعتمد حراس السجن على «الشاويش» أي السجين المحكوم الذي «تثق به» إدارة السجن لفرض النظام والحفاظ على الأمن خلف القضبان. إضافة لغياب برامج الإصلاح والتدريب المهني والمصانع للمساجين، وحتى العلاج من الإدمان على المخدرات والكحول والميسر، وغير ذلك من المشاكل.

مطالب منظمات حقوق الانسان

تطالب منظمات حقوق الانسان بتصنيف السجون، وأماكن التوقيف، بالإستناد الى وضع المحكوم عليه او الموقوف، مع الأخذ في الاعتبار السوابق الجرمية، ومدى خطورته على المجتمع وشخصيته وعمره وجنسه.

وتطالب أيضاً، ايجاد سجون وأماكن توقيف جديدة قادرة على استيعاب العدد الكافي من المحكوم عليهم، وتمكينهم من تأمين غرف انفرادية، يمارسون فيها حياتهم الخاصة.

يجب إعداد سجون عصرية قادرة على اعادة تأهيل المحكوم عليه وإصلاحه، بصرف النظر عن خطورة فعله الجرمي، واعداده لإعادة دمجه في المجتمع، كمواطن صالح. وبتدريب السجين على المهارات المهنية وتمكينه من متابعة عمله داخل السجن، أو اكتساب مهنة جديدة تتناسب مع مؤهلاته الشخصية، لاشعاره بقيمة ذاته الإنسانية وفعاليتها، وتمكينه من أداﺀ العمل المنتج والمفيد له بعد خروجه من السجن. وتمكين السجين من متابعة دراسته في مختلف مراحلها. وتوطيد علاقة السجين بأسرته للمحافظة على الأواصر التي تربطه بها وتسهيل الزيارات معها. والسماح للسجين بمغادرة السجن تحت الحراسة في الظروف الصعبة التي تلمّ بعائلته كحادث وفاة أو مرض شديد.

وهناك مجموعة من المؤسسات الحقوقية تطالب السلطات اللبنانية بالعمل وفقا لسياسة إذن الخروج من السجن المعمول بها في فرنسا، لمن تطبق بحقهم عقوبة تقل عن أربع سنوات، أو من يطبقون عقوبة تزيد عن أربع سنوات بعد تنفيذهم نصف العقوبة. والعمل بنظام الحرية المنتقصة التي تمنح لمن لم يبق لهم سوى مدة سنة على انهاﺀ العقوبة.

فرضيّة بعيدة عن الواقع

ماذا لو قرّر عشرات الآلاف من المطلوبون بقاعيّاً تسليم أنفسهم للسلطات اللبنانيّة؟ أين ستحتجزهم؟

مما لا شكّ فيه أن البقاعيين لا يحبّون الخروج عن القانون، لمجرّد حبّهم للشغب. أن تضم محافظة واحدة العشرات الآلاف من المطلوبين بتهم عدّة من سرقة، تزوير، تجارة بالسلاح والمخّدرات، هذا يدل على أن الخلل ليس في هؤلاء. بل في مكان آخر: أينَ موقع سكان تلك المنطقة من خريطة الدولة على كل الأصعدة؟

شهر حزيران

نشر في “رحلة”

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s