الإعلام الأرمني في لبنان: انقسام غير حاد! (2/1)


في 24 نيسان 1915، أي منذ أربعة وتسعون عاماً، كان الأرمن، الذين يعيشون تحت الحكم العثماني، يتعرَضون لإبادة جماعيّة أدّت لمقتل ما يقارب مليون ونصف منهم، وتهجير الباقين إلى دول المشرق العربي، حيث توزّعوا على العراق، سوريا، لبنان وفلسطين. هناك استقرّت هذه الجاليات، لتصبح مكوّناً حضاريّاً- ثقافيّاً من هويّة المنطقة ككل.

هاني نعيم

إذا أردت أن تلغي شعباً ما.. عليك بشلِّ ذاكرته، وحرق كتبه، ومحو تاريخه، ويكتب له شعبٌ آخر كتباً وثقافة وتاريخاً. فينسى هذا الشعب من كان وننساه بعد ذلك”. الكاتب الإنكليزي هيبل.

مضى أربعة وتسعون عاماً، ويبلغ عدد الأرمن في لبنان حوالي 140 الفاً، ومازالوا يحافظون على قضيتهم، ويدافعون عنها في كل الميادين: السياسيّة، التاريخيّة، الفكريّة، الحقوقيّة، والإعلاميّة. ومنذ السنوات الأولى لوصولهم إلى لبنان بدأوا بإصدار صحفهم الناطقة باللغة الأرمنيّة، ويمكن اعتبار العقد الممتد ما بين 1927 و1937 هو عقد الصحافة الأرمنيّة بامتياز.

ففي 1927، تأسست أول جريدة أرمنيّة، وهي جريدة ازتاك اليوميّة، الناطقة باسم حزب الطاشناق (يعني بالعربية: الحزب الفدرالي الثوري الأرمني)، الذي يعتبر أحد أحزاب قوى 8 آذار. وتعتبر من أوائل الجرائد اللبنانية المستمرّة حتى يومنا هذا.
وبعد عشر سنوات، أي 1937، صدرت جريدة (آرارات) اليوميّة (وهو جبل أرمني له رمزيّته في التاريخ الارمني، وتحتلّه تركيا)، الناطقة باسم حزب الهانشاك (الحزب الاشتراكي الديمقراطي). إضافة إلى تأسيس جريدة زارتونك اليوميّة (تعني بالعربية: النهضة)، وهي ناطقة باسم حزب الرامغافار (الحزب الديمقراطي الليبرالي). وهذان الحزبان منضويان في تجمع 14 آذار.

جريدة أزتاك

تعرّف الجريدة نفسها بـ” جريدة يوميّة سياسيّة وأدبيّة”. في الحرب اللبنانية الأهليّة بين 1975 و1990، تقلّصت صفحات الجريدة، ولكنها لم تتوقّف عن الصدور، ولو ليوم واحد. تقع مكاتب الجريدة في الطابق الأول من مبنى تابع لحزب الطاشناق، في الضاحية الشمالية لبيروت، في منطقة برج حمّود، التي تعتبر رمز الوجود الأرمني في لبنان. تتألف الجريدة من عشرة صفحات. تنقسم إلى ميادين متنوّعة، وعادةً ما تكون أرمينيا وقضيّتها محورها.

مانشيت الجريدة والصفحة الأولى عادةً ما تتضمّن اخبار محليّة لبنانيّة، أرمنيّة، أقليميّة، ودوليّة. أما الصفحات الداخليّة للجريدة فهي تتوزّع على: الاخبار السياسية اللبنانية. اخبار الأرمن ونشاطاتهم في لبنان. أخبار الجاليات الأرمنيّة في العالم. نشاطات مجموعات الضغط الارمنية في عواصم القرار العالمي. تقارير من الإعلام التركي والأذري حول القضية الأرمنيّة. إضافة لصفحات ثقافيّة وفنيّة من لبنان والعالم، ونثرات من الأدب الأرمني بين الحين والآخر.

ويصدر عن الجريدة ملحق شهري يتوجّه للفئات العمريّة بين 5 و15 سنة. وهو عبارة عن كتابات ورسوم لطلاب المدارس الأرمنية. وإلى جانبه، تصدر الجريدة ملحقين سنويّاً. الأول مع بداية كل سنة، ويعتبر كمراجعة للأحداث التي مرّت خلال عام، وكتابات استشرافيّة للعام المقبل. أما الثاني، فهو يصدر في 24 نيسان، في ذكرى الإبادة الأرمنيّة، ويتضمّن احياء للتاريخ الأرمني ومقالات تاريخية وحقوقية عن القضية الارمنية، إضافة لمقابلات مع ناجين من الإبادة.

جريدة آرارات

في 1937، دخلت “آرارات” على خط المنافسة في مخاطبة الرأي العام الأرمني. وكونها الناطقة باسم حزب الهانشاك، تعرّضت لمضايقات من السلطات السياسيّة، في خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي، بسبب معارضة الحزب للسلطة القائمة حينها. ما أدى إلى توقيف الكثير من أعدادها.

وبعد ثلاثة أعوام من انطلاق الحرب الأهليّة اللبنانية (1975-1990)، تعرّضت مكاتب الجريدة، الواقعة على مدخل برج حمّود، لهجوم بقنبلة من قبل عناصر ميليشياويّة تابعة لأحد أحزاب “اليمين المسيحي اللبناني”، ما أدّى لاحتراق أرشيف الجريدة ككل. وذلك كونَ الحزب يومها كانَ مؤيّداً للحركة الوطنية اللبنانيّة، ذات التوجه اليساري والعلماني، مع العلم أن الحزب لم يدخل كطرفاً مسلّحاً أثناء الحرب.

استمرّت الجريدة بالصدور اليومي حتى 2002، إذ بقيت سنتين تصدر بشكل اسبوعي. وبين 2005 وأواخر العام الماضي صدرت بشكل شبه يومي. ومع مطلع هذا العام عادت للصدور بشكل يومي، ولكن مختصرة بأربعة صفحات.

وهذا التحوّل يعود إلى دراسة أجرتها الجريدة أرتكزت على سؤال “ماذا يريد القارىء الأرمني؟”. والخلاصة كانت “القارىء لا يحب قراءة الأخبار، لأنه يحصل عليها من وسائل الإعلام الأخرى. القارىء يبحث عن التحاليل السياسيّة والثقافيّة وغيرها” على حد تعبير مدير التحرير أهارون شيخردميان. من هنا، بدأت الجريدة إعطاء الكتابات التحليلية مساحة أكبر من المساحات الإخباريّة.
تقوم الجريدة بتغطية الحركة السياسيّة اللبنانيّة، نشاطات الحزب الأساسيّة، أخبار الأرمن في لبنان والعالم، الأخبار المهمّة من أرمينيا والدول المجاورة لها، إضافة لمقالات تحليليّة حول الأوضاع السياسيّة المحليّة، الأقليميّة، والدوليّة.

جريدة زارتونك

في ذات العام، من تأسيس “آرارات”، دخل حزب الرامغافار على الخط، مع جريدة “زارتونك” اليوميّة، التي بقيت كذلك حتى اواخر 2006، للتوقّف عن الصدور اواخر 2007، لتعود مع أيار 2008 للصدور بشكل نصف شهري. أما مع آذار 2009، عادت لتصدر 3 مرّات في الأسبوع.

أما أسباب ذلك الانقطاع، وتراجع عملها، يعود “بالدرجة الأولى إلى العوائق الماديّة، إضافة إلى ضرورة تغيير جوهري في طاقم العمل الموجود، ومشاكل اخرى ذات طابع حزبي” كما يوضح المدير المسؤول سركيس سفريان. في أوائل 2008، أنتقلت ملكيّة الجريدة إلى حزب الرامغافار بشكل رسمي، بعد أن كانت مسجّلة باسم حزبيين.
يوعد سفريان القرّاء بأن الجريدة ستعود للصدور بشكل يومي في أواخر العام الحالي، بعد أن تم التخلّص من أغلب المشاكل. وتجدر الإشارة إلى أن ماكيتات الجريدة قد تغيّرت وأصبحت أصغر حجماً بما يتناسب مع الصحافة الحديثة، عكس الجرائد الأرمنيّة الاخرى التي ما زالت تعتمد ماكيتات الصحافة التقليديّة. وبالنسبة لمكاتب الجريدة، فهي ما زالت قائمة في المبنى التابع لحزب الرامغافار في حي الجميزة، على مقربة من برج حمود.

أما أقسام الجريدة فهي لا تختلف عن زميلاتها. اخبار محليّة لبنانيّة، اخبار ارمن لبنان والجاليات الأرمنية في العالم، مقالات رأي، تغطية نشاطات الحزب، ترجمة مقالات من الصحافة التركية.

الأرمني بالعربي

حاولت الجرائد الأرمنيّة، ولو بشكل متأخر، مخاطبة الجمهور اللبناني الناطق للعربيّة. اولى المحاولات كانت مع جريدة ازتاغ، في 1996، عبر إصدار أعداد خاصة باللغة العربية، ولكنّها ما لبست أن توقّفت، “خصوصاً وأن الرأي العام اللبناني لديه اعلامه ووسائله، وما يهمنا كحزب، هو مخاطبة الأرمن” على حد تعبير مسؤول النشرة الأرمنية في تلفزيون أو تي في، والمحرر السابق في الجريدة آرمين أبدليان.

أما جريدة آرارات، فهي جرّبت ما بين عامي 2004 و2005 مخاطبة القارىء اللبناني، عبر مقالات بالعربيّة والفرنسيّة والانكليزية، ولكن هذه الحال لم تستمر، ويبرر شيخردميان قائلاً “يوجد صعوبة دائمة، بإيجاد كتاب وصحافيين يكتبون باللغات الاخرى، خصوصاً العربيّة!”.

وبالنسبة لجريدة زارتونك، فالمقاربة كانت مختلفة. إذ طالب العديد من زملاء النائب هاغوب قاصرجيان، ممثل حزب الرامغافار في الندوة البرلمانيّة، بمعرفة المزيد حول تاريخ الأرمن وقضيّتهم. هذا ما دفع الجريدة للعمل على إصدار ملحق شهري باللغة العربية، أشبه بمجلّة، ما بين 2004 و2007. ويقول سفريان “الملحق العربي سيعود مع عودة الجريدة للصدور بشكل يومي.


منصات

26 أيار 2009

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “الإعلام الأرمني في لبنان: انقسام غير حاد! (2/1)”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s