جداريّات تحكي عن العيش الصعب في المخيمات الفلسطينية.. وتبشّر بالعودة


هاني نعيم

يعتبر فن الـ»هيب هوب» وسيلة للفئات الشابيّة المهمّشة والفقيرة لنقد واقعها، ولإيصال صوتها إلى الشرائح الأخرى في المجتمع. وعادةً ما تنطلق هذه الفرق من المناطق والضواحي الفقيرة للمدن الكبرى. من هنا، يمكن أن يفهم انتشار بعض أوجه الـ»هيب هوب» (الراب والغرافيتي) في المخيّمات الفلسطينيّة داخل لبنان، الفاقدة للحد الأدنى من حقوقها الإنسانيّة والمدنيّة.
واستطاعت هذه الفرق تشكيل هويّة خاصّة بها تختلف عن هويّة أي فرقة لبنانيّة اخرى. وذلك يعود لاستثنائيّة الوضع الفلسطيني في لبنان من جهّة، وكون هؤلاء يناضلون على طريقتهم من أجل حريّة فلسطين وحق العودة، من جهة ثانية.

هـذا لا يعـني أن ثقافـة الرسـم على الجدران جــديدة عــلى المخيّمات، فهي تنتشر منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت التنظيمات الفلسطينيّة ترسم شعارات ورموزاً تعـبّر عن نضالها من أجل استعادة الأراضي المحتلّة. ولكن منذ عشر سنوات تقريبا وحتى اليوم، برزت الكثير من الفرق الفلسطينيّة التي عملت في الـ»غرافيتي»، والتي طوّرت طريقة التعبير هذه لتصبح أكثر احترافاً وفنيّة، دون أن تقتصر ممارسة هذا الفن على الفرق، بل شملت أيضا العديد من الأشخاص.

عبد الرحمن قطناني يعود إلى يافا

«حق العودة».. على جدار في مخيم شاتيلا
«حق العودة».. على جدار في مخيم شاتيلا

لم يكن الشاب اليافاوي (من يافا) عبد الرحمن قطناني يعلم أن معرض الكاريكاتير الذي شارك فيه في 2004، داخل مخـيّم شاتيلا، سيكون معبره لفن الـ»غرافيتي». حينها، زار وفد فرنسي المعرض، وطلب منه المشاركة في المهرجان العالمي «Kosmopolite» الخاص بالرسم على الجدران في ضواحي باريس.
في 2005، ذهب إلى المهرجان. هناك، تفاجأ بأنه خاص بالـ»غرافيتي». فشارك برسم كلمة «فلسطين»، وكأنه يرسم الـ»غرافيتي» منذ زمن بعيد، وهذا ما أثار استغراب الفنانين الآخرين. بعد عودته، بدأ عبد الرحمن الرسم في المخيم حيث يقطن.
في هذه الأثناء، كان الانقسام الفلسطيني بين حركتي «فتح» و»حماس» قد بدأ. وشكّل مادة نقد لاذعة لعبد الرحمن، إذ رسم عام 2006، تاجاً كبيراً وسط مخيّمات وبيوت فوق بعضها، مرصّعاً بالجماجم، مرفقة بعبارة «الصراع على مملكة التنك».
كما شكّل «حق العودة لكامل التراب الفلسطيني» محوراً أساسياً لرسوماته، خصوصاً أن «المخيم يقتل حياتنا، ويجب التخلّص منه بالعودة لبلادنا»، يوضح عبد الرحمن، الذي يوقّع جداريّاته بعبارة «عبد» على شكل مفتاح يمثّل «مفتاح حق العودة».
ويبلغ عدد الجداريّات التي رسمها حوالى 7 لوحات، عدا الرسومات الصغيرة التي يصفها بالـ»خربشات» التي «تطرأ فجأة على البال»، وينزل إلى الشارع مباشرةً لتنفيذها، في مخيم شاتيلا، ومحيطه.
لم تقتصر رسومات الـ»غرافيتي» لعبد الرحمن على مخيم صبرا وشاتيلا فقط، بل رسم العام الماضي على أحد جدران مخيّم برج البراجنة جداريّة بطول 12 مترا، بارتفاع 3 امتار، تحت عنوان «من جيل إلى جيل.. لم ولن ننسى». كما ساهم برسم 4 لوحات كبيرة ضمن جداريّة بطول 160 متراً، وتعتبر أكبر جداريّة في العالم العربي، بدعم من بلديّة صيدا.
وليصف عبد الرحمن حال الجداريات التي يرسمها في المخيّم، يستشهد بتعريف كتاب «Wasted talent« للـ»غرافيتي» بأنه «الموهبة المفقودة». فأغلب الجداريّات لم تعد موجودة، كون الجدران تتعرّض للرطوبة و»النش»، فتتآكل الرسومات وتتشوّه. وبالتالي يقوم الناس بطليها.
منذ العام الماضي، توقّف عبد الرحمن عن رسم الـ»غرافيتي»، ليتفرّغ أكثر لدراسته العليا في الفن التشكيلي، ولكن ذلك لا يعني بالنسبة لعبد الرحمن غياب الـ»غرافيتي» عن فنّه، فهو بدأ يدمج تقنيّات هذا الفن خلال رسمه لوحاته التشكيليّة، «حتى أنّي أستخدم عبوات الرش لتلوين لوحاتي».

جريدة السفير

«كتيبـة 5»: رفضـاً للاحتـلال «الواحـد»

الكتيبة ترسم فلسطين في مخيم البداوي
الكتيبة ترسم فلسطين في مخيم البداوي

لا يمكن تناول فن الـ»غرافيتي» دون المرور بتجربة فرقة «كتيبة 5«، التي صار عمرها حوالى 10 سنوات. وساهم التنوّع في المواهب لدى أعضاء الفرقة بين الموسيقى، الكتابة والرسم، في تنوّع أعمالهم الفنيّة بين الأغاني ورسم الـ»غرافيتي».
اختار هؤلاء فن الـ»هيب هوب» للتعبير عن أفكارهم، لأنّه «يعبّر عن ثقافة الشارع، وهو يعني أن يكون الإنسان واضحاً»، على حد تعبير «الجزّار»، أحد أعضاء الفرقة. كما أن «هذا الفن هو وسيلة الفــقراء للتعبير حقوقهم. خصوصاً أنه يمكن القيــام بعمل فنّي كامل بتكاليف بسيطة»، بالنسبة لعبد الجبار.
بعد عامين على إنشاء الفرقة، بدأت برسم الـ»غرافيتي» في عدد من المخيّمات الفلسطينية، منها: البدّاوي، برج البراجنة، شاتيلا، مار الياس، إضافة لأماكن محيطة بالمخيمات، وذلك دون أخذ إذن من أية جهّة، «نحن شرّعنا بهذا العمل، ولا ننتظر إذن أحد لنعبّر عما نريد»، يقول الجزّار. وأوّل جداريّة للفرقة كانت رفضاً لجدار الفصل العنصري الذي بناه الاحتلال الإسرائيلي، قرب جسر طلعة العامليّة.
تمحورت لوحات الفرقة حول الحق بالأرض، وحق العودة. ولم تغب عنهم المسألة العراقيّة، إذ رسموا أيضاً جداريّة «بغداد»، تعبيراً عن رفضهم للاحتلال «الواحد»، إن كان في فلسطين أو في العراق أو في أي مكان آخر.
ليست فقط فكرة المقاومة هي ما تشغل «الكتيبة». بل لهؤلاء أغنيات ولوحات تنتقد الوضع الحياتي داخل المخيّمات، إضافة لانتقاد جمعيّات المجتمع المدني و»للسرقات التي تقوم بها». كما للفرقة لوحات أخرى لا يمكن فهمها إلاّ عند الاستماع لأغانيهم التي يتضمنها ألبوم «أهلاً فيك بالمخيّم».
وخلال السنوات العشر، استطاعت «كتيبة 5« تكوين الهويّة الخاصة بها، دون إسقاط التجارب الخارجيّة واستنساخها على الواقع الفلسطيني في اللجوء. ويروي الشباب صعوبة «الغرافيتي العربي»، في مقابل سهولة الكتابة بالأحرف اللاتينية، التي خضعت للكثير من التطوير في الخارج. ورغم غياب التقنيّات الحديثة الخاصة بالـ»غرافيتي» عن لبنان، يقول عبد الجبار «نبتدع الحلول لذلك، وهذه مـيزة الهيب هوب».
أما عن موقعهم النضالي، فيخـتصرون «نحن نكمل مسيرة المبدعين الأوائل من ناجي العلي إلى محمود درويش.. ولكن كل على طريقته».

جريدة السفير

«صوت لا يقهر».. ترسم أغنياتها وتغنّي رسومها

«صوت لا يقهر» على مدخل مخيم برج البراجنة (حسن عبد الله)
«صوت لا يقهر» على مدخل مخيم برج البراجنة (حسن عبد الله)

«صوت لا يقهر» أو «Ivoice« فرقة تنتمي إلى ثقافة الـ»هيب هوب» الفلسطيني. ياسين قاسم ومحمد «تي.أن.تي»، شابان من مخيم برج البراجنة، لم يلامسا العشرين بعد، أسسا فرقتهما الخاصة في مطلع العام 2004. اختار الشابان لفرقتهما هذا الاسم، «لأنها تعبّر عن صوت المخيّمات المهمّش، وهو صوت لن يموت»، كما يرى ياسين.
في البدء، كان الـ»راب» وسيلتهما الوحيدة، فأطلقت الفرقة ألبومها الأول، وهي اليوم تحضّر للألبوم الثاني. تنطلق أغاني الفرقة من المعاناة اليوميّة داخل المخيّم، ومن نقد الواقع الاجتماعي والسياسي والحياتي.
ولإيصال الفكرة أكثر للناس، بدأت الفرقة، بعد سنتين على انطلاقتها، رسم الـ»غرافيتي» على جدران المخيم. وهكذا تحوّل سطح بيت ياسين الى مختبر لتعلّم الـ»غرافيتي» وتجريبه. وبعدها انطلقت الفرقة إلى شوارع المخيّمات وخارجه.
الجداريّة الأولى لهما كانت بعنوان «ثورة حتى آخر الشهر»، منتقدة «الثورجيين الذين ينتظرون آخر الشهر كي يحصلوا على الراتب»، يقول ياسين. كما تفاعلت الفرقة مع المتغيرات الخارجيّة، مثل انتشار «موضة الكوفيّة الملوّنة»، والانقسام الفلسطيني، والعدوان على غزّة. فرسمت الفرقة جداريّة «الحطّة مش موضة»، باعتبار «أن لها رمزيّتها النضاليّة ويجب الحفاظ عليه»، على حد تعبير ياسين. وعن الانقسام الفلسطيني بين حركتي «فتح» و»حماس» رسما جداريّة تحضّ الفصائل على التوحّد لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. إضافة لعدد آخر من الجداريات كأحد أشكال المقاومة في وجه الاحتلال.
تأخذ الفرقة أحياناً عبارات محددة من أغنية لها وترسمها، وذلك لتصل الفكرة إلى الذين لم يسمعوا الأغنية. وأحياناً أخرى تتحوّل جداريّة مرسومة إلى أغنية «راب»، كجداريّة «الحطّة مش موضة» التي ستنشر كأغنية في الألبوم الثاني.
لا تقتصر جداريات الفرقة على مخيم برج البراجنة فقط، بل طالت مناطق اخرى منها: مخيّمات شاتيلا، البدّاوي، وعين الحلوة لاحقاً، إضافة لمنطقتي الحمراء والضاحية الجنوبية لبيروت.
ويروي ياسين عن مشروع الفرقة: «نعمل على نشر ثقافة الـ»هيب هوب» في جميع مخيّمات لبنان»، فهي بعد أن منعت من رسم الـ»غرافيتي» في مخيّم نهر البارد من قبل الجيش اللبناني، أقامت ورشة عمل لأحد الشبان اللاجئين من المخيم ليستطيع بمفرده كتابة أغاني الـ»راب» ورسم الـ»غرافيتي» في المخيم. كما تحضّر الفرقة لورشات عمل في مخيّم عين الحلوة، لأجل إنشاء فرق «هيب هوب» محليّة، لأن «لكل مخيّم معاناته، ولا أحد يستطيع التعبير عن هذه المعاناة غير سكّان المخيّم أنفسهم».

جريدة السفير

الاربعاء- 16 آذار- 2009

رسم جرافيتي: عبد الرحمن قطناني
تصوير واخراج: علاء العلي
تصميم صوت: ياسين (صوت لا يقهر)

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

1 thought on “جداريّات تحكي عن العيش الصعب في المخيمات الفلسطينية.. وتبشّر بالعودة”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s