أنا أكره المناهج التربويّة


هاني نعيم

«أكتبْ خمسة عشر سطراً، معللاً فيها تفضيلك للريف على المدينة».
أغلب سكّان الجمهوريّة اللبنانية صادفوا هذا السؤال في الصفوف الابتدائيّة. وعلى الأرجح كان الجواب متشابهاً لدى الأغلبيّة.
ويُمكن اختصار الأجوبة في حقلين: المدينة هي مكان للضجيج، والضوضاء، والتلوّث، والبيوت الصغيرة، و»المعربشة» على بعضها. أمّا الريف فهو على النقيض التام للمدينة.
هذه السنة، نزل صديقي من قريته الجنوبية إلى بيروت للدراسة في إحدى جامعاتها. استغرب أنّ بيروت مدينة كأي مدينة أخرى. بل إنها لا تشبه علب السردين، كما درس في كتاب القراءة، وكتب ضدها عشرات النصوص.

ومن ناحية أخرى، يا أخي، من قال لكم أنّ الطفل/الطالب يفضّل الريف على المدينة؟ من قال انّه يجب التفضيل؟ ولماذا السؤال باتّجاه واحد؟
***

«صف بيت جدّك في القرية، بعشرة أسطر». سؤال آخر يُطرح على «الابتدائيين». وإذا أراد أحدهم تفكيك هذه الجملة، سيكون لديه عناصر لا تحمل الابتكار أو حتّى التخيّل: وصف، بيت الجد، القرية. لا أحد يعرف عدد الإجابات المتشابهة لدى الطلاّب. ولكن على الأرجح الوصف يشبه لوحة شهيرة لأحد الرسّامين اللبنانيين، وهي منتشرة بغزارة في كتب القراءة العربيّة. واللوحة عبارة عن بيت له قرميد أحمر، يقع بين عدد من الأشجار الخضراء، مع سماء زرقاء.
لنفترض أنّ احد الطلاب ليس لديه جذور قرويّة. ماذا يفعل عندها؟ سيتخيّل منزل جد زميله، ويصفه، ليس أكثر. هذا ما يقوم به أغلب طلاّب المدن.
***

«صف جدّتك». وأيضاً، سؤال آخر، يطلب من الطلاّب وصف جدّاتهم. لا مانع في ذلك.
صديقتي، عندما كانت في الصف الخامس ابتدائي، أجابت على السؤال، ووصفت جدّتها. ومن بين الصفات أنّ جدّتها لديها شعر أشقر. ولكنّ المعلّمة صححت لها ذلك، وقالت لها إنّ على شعر جدّتها أن يكون ابيض.
***

«أكتب نصّاً من 15 سطراً، تتحدّث فيه عن نزهة قمت بها مع أصدقائك في فصل الربيع». من لا يتذكّر هذا النص؟ كل مواطن انتهى من المرحلة الابتدائيّة كتب هذا النص بالحد الأدنى عشرات المرّات. العصافير دائمة الزقزقة في هذه النصوص. والأنهار خريرها يصل إلى أنطاكية وسائر المشرق. أمّا المرج فدائم الاخضرار.
***

هذه نماذج بسيطة عما تبثّه المناهج التربويّة في وعي ولا وعي الأجيال الناشئة. ترسم صورا منمّطة، معلّبة، ليس عن المدينة والريف والجدّ والربيع فقط، بل عن كلّ المفاهيم التي ستكوّن شخصية هؤلاء. ماذا لو طلبت هذه المناهج من الأطفال الكتابة، مثلاً، عن البيت الذي يريدون بناءه يوماً ما، بدلا من وصف بيت جدّهم الذي يجب أن يكون كما يتصوّره عقل «الأستاذ»، أو كتاب القراءة؟
هكذا، لن تظل اللغة مجرّد وصف هش وإنشاء بدائي يستخف بعقول أطفالنا.
لنحترمهم قليلاً!

الاربعاء 4 آذار 2009
جريدة السفير

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “أنا أكره المناهج التربويّة”

  1. جيدة😀 بعدني بذكر الطويل الأصلع يلي كان قاعد ورانا، ويلي طلع عميل للإتحاد السوفياتي..
    ——
    بس يمكن من الحق نقول، أنو بلبنان رغم كل العبثية، ما في شي بيجي من عدم، يعني -بقصد- كل شي إلو جذور، أو مع شوية تأويل ممكن نلاقيلو جذور عند “فلاسفة” الكيان الأوائل أو”التراث اللبناني”. (وطبعاً التأويل يعني تحميل النص أفكار جديدة مستوحاة منه)

    شوف مثلاً “فيلسوف المقاومة اللبنانية” شارل مالك، كيف بيتغزل بالقرية:

    القرية اللبنانية تجسّد تراثاً حياً عظيماً، فهي تحتل مكانها في واصل الزمن، والتطلع الهنيء الواثق الى المستقبل. ويتألف تراث القرية من التعلّق الحميم بالأرض، والتراب، والشجرة، والداجن الأليف من الحيوان والأشياء، ثم التكيّف الكياني على الطبيعة، بفصولها الأربعة، وبما يأتي به كلّ فصل من نفحات خاصة يطبع بها الوجود، وما هي عليه دورة الحياة الطبيعية هذه من بساطة وبراءة. كذلك يتألّف تراث القرية من التقاليد العائلية الراسخة، والعادات والمآكل والمشارب المتوارثة، والصداقة الخالصة المتواصلة، واللقاءات الحلوة في المناسبات المختلفة، من اجتماعية ودينية وموسمية، والسهرات والغدوات وما تعنيه من سمر وحديث، وصفو معشر، ورفقة ووصال، والأغاني، والرقص، والشعر، والحبّ في القرية، وما ينقله الآباء والأمهات والجدود والجدّات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات الى الأبناء والحفداء، مما انتهى اليهم عن آبائهم وأجدادهم، من أشياء الحلال والحرام، ودوافع الحمد وشواهد العار. وكذلك الحكم والأمثال المتداولة النابعة من معين حياتي كثيف سحيق، وهي تنظم الحياة وتنير سبيلها باطمئنان.
    القرية تعني الخلق الصامد السليم.
    القرية تعني الوجود المرح الطلق المنيع.
    القرية تعني الطمأنينة في الكيان.
    القرية تعني الركون الى قواعد ثابتة مجرّبة في الحياة.
    القرية تعني فرح الحياة العميق.
    القرية اللبنانية هي اذن مجتمع تراثي عريق أصيل، في جذوره وتقاليده، وعاداته، مجتمع ثبات ورسوخ وصمود، مجتمع أخلاق، وحرية، وألفة ومحبة، وطلاقة، وتطلع، واحترام.
    أتريدون احياء التراث ؟ اذن عزّزوا القرية اللبنانية، ووطّدوا أركان العيش فيها، عندئذ نهديها الى المستقبل، مؤسسة تراث أصيل.
    ————-
    الإستدلال هون، أنو المنهج التربوي تضعه “الأكثرية” الحاكمة أو المهيمنة، ولنفهم أكتر، بدنا نكون على علم أنو المناهج التربوي مش عم تتعدل أو تطور، بمعنى بعدها من لما نوضعت بتشتغل على نفس المحور الفكري. وهكذا!
    ————
    أنا جدي عاصر مكننة العمل الزراعي مع أنو مات من زمان -أو هيك بحس-، وبعدو كتاب القراءة بيقول: يستيقظ الفلاح قبل شروق الشمس.. ويسوس الثور بالعصا الطويلة.. وتلحقه زوجته ضهراً بالفجل والزيتون والمقدوس
    ———–
    المشكلة أنو مش قادرة المناهج، أو العقل القبلي اللبناني -الجامد منذ الأزل-، يتطور مع التطورات يلي شهدها الريف -يلي بطل ريف، إلا حسب مسلسل “دويك”* المعروض لحد هلق على تلفزيون لبنان! ومش قادر برمنطيقيته-أي العقل- (أو روحانيته حسب ميشال شيحا) يستوعب أنو التمدن هو طريق التحضر

    * مع أنو مسلسل “دويك” إنتاج عام 2000، بمعنى آخر: بمرحلة تخطى الريف فيها ريفيتو! بس بعدو دويك يلي جايي من الريف، مش قادر يستوعب نفسيات أهالي المدينة المتغطرسين والكذابين والسراقين والمحتالين.. وإلخ! وكل الناس بضحك عليه!

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s