ماذا جرى في نهر البارد؟ بقلم مايكل يرمنغهام


جنديّان لبنانيان في مخيّم نهر البارد (أ ف ب)
جنديّان لبنانيان في مخيّم نهر البارد (أ ف ب)

كتب الناشط الحقوقي الايرلندي مايكل برمنغهام:

نهر البارد هو مخيم للاجئين الفلسطينيين و كان موطناً لحوالي 40,000 لاجئ فلسطيني معظمهم أولاد و أحفاد هؤلاء الذين تركوا فلسطين منذ العام 1948. بعضهم مثل أبو محمد الذي ولد في فلسطين و ترك و كان عمره 10 سنوات.

السنة القادمة ستكون الذكرى الستون لقيام دولة إسرائيل التي أسست على التطهير العرقي لأبو محمد و الكثيرين غيره الذين طردوا من قراهم في فلسطين. قال لي هذا و كنا جالسين نحن الاثنين في السواد الحالك و الجرذان تسرح بجانبنا في منزله، و عندما غادرت ذهب وحيدا لكي ينام بين الركام و القوارض و بغياب كل جيرانه، محاولاً إقناع نفسه بأنه بقي لديه شيء ما كي يحافظ عليه.

ما بين أيار و أيلول من العام الحالي جرت معارك ضارية بين الجيش اللبناني و مجموعة فتح الاسلام المسلحة. و منذ اليوم الأول حاصر الجيش اللبناني المخيم و قام بقصفه بالمدفعية. و بقي على هذه الوتيرة لمدة 3 شهور. معظم قاطني المخيم اجبروا على الخروج خلال الأيام الثلاثة الأولى من القصف، و عندما تم قتل مجموعة شباب من الجيش اللبناني و تقطيع أعضائهم بطريقة وحشية، رفعت هذه الحادثة من وتيرة المعركة، لبنان كله أصبح مغسولا بالوطنية و الحزن. أي مناقشة بموضوع الجيش أصبح من المحرمات.

أمر فظيع حدث لسكان مخيم نهر البارد، و المسؤولين اللبنانيين رفضوا الدخول في التفاصيل، و على مر الاسبوعين الماضيين و منذ أن فُتح المخيم لعدد من قاطنيه، فإن الكثيرين منّا ممن ذهبوا إلى هناك قد صدموا بهذه الحقيقة المدوية و القوية. فبعد ثلاثة أشهر من القصف المدمر للمنازل، وجدنا غرفة بعد غرفة و منزلاً بعد آخر قد حرقت، حرقت من الداخل، و بين الرماد على الأرض كان يوجد ما يشبه بأنها بقايا اطارات سيارات، و على الجدران يوجد سخام يتقطر نزولاً ما يدل بوضوح على أن مادة مشتعلة قد رشت على الجدران.

غرف، منازل، محلات، كاراجات، كلها محطمة و متشحة بالسواد، و أيضاً هي ليست متضررة من القصف خلال المعارك، كانت قد حرقت عمداً من قبل أشخاص دخلوا هناك و أشعلوا فيها النيران.

كم كان عددهم لا نعلم بالضبط و لكنه كان عملا كبيرا كي تقوم به مجموعة صغيرة، لكن أن تجد بيتاً أو محلاً واحداً غير محروق أو مدمر فهو بالفعل أمر صعب جداً.

لماذا حصل هذا؟ لماذا على هؤلاء الناس أن يجدوا ما قد جنوه في حياتهم كلها رماداً وحطاماً على شرفة منزلهم المدمر، و لم يحصلوا حتى على إجابة عن هذا الأمر، ولا حتى كلمة واحدة؟ في كل يوم يعود أناس إلى المخيم ليجدوا بأن هذا ما حصل لمنازلهم. لم يقتصر الأمر على حرق للمنازل فقط بل طاول سيارات كان الناس قد أمروا أن يتركوها خلفهم في الأيام الأولى للمعركة قد تم تحطيهما بالكامل. دراجات نارية و أجهزة تلفزيون و كل ما له قيمة بالنسبة إلى أشخاص عاديين قد تم تحطيمه، حتى البرادات في عدة منازل وجد فيها آثارا لأعيرة نارية، كل هذا يدل بأن ذلك تم من داخل المنازل و ليس من خارجها خلال المعارك.

الناس الذين عادوا إلى بيوتهم جلسوا وحيدين على الأرض، و عندما تسأل أحدهم أن يرشدك إلى منزله، يقولون لك واحداً تلو الاخر كيف أن مقتنياتهم الثمينة قد سرقت، حتى الاشياء التي كانت مخبأة بشكل جيد كلها تم التنقيب عنها و سرقت. استخدمت المتفجرات للدخول إلى الغرف الموصدة و إلى فتح الخزنات التي وجدت، المسروقات تضمنت كل شي، من الملابس حتى السيارات، فكل ما لم يحرق و لم يحطم قد اختفى. و لكن أين؟!

المخيم بكامله كان ممنوعاً على الفلسطينيين، لم يكن بامكانهم فعل ذلك، و لكن كل هذا كان يجب التحقق منه قبل ازالة الدلائل الحسية و إخفاءها، يمكن أن ينسب جزءاً مما حصل إلى “فتح الاسلام” و مقاتليهم و لكن هناك دليل واضح بأن بعض عناصر الجيش قد تصرفت بشكل غير مستقيم.

دخلنا بعض البيوت و وجدنا جدرانها الداخلية قد كتبت عليها شعارات، من جنود فخورين كتبوا اسماء وحداتهم العسكرية إلى أبشع الكتابات العنصرية ضد الشعب الفلسطيني، بعض العائلات وجدت مقتنياتها في منزل قريبة اخرى و بعضهم و للأسف وجد برازاً على فراشهم و على أرضيات منازلهم!

كل يوم يمر و تعود عائلات اضافية إلى المخيم و خلال عدة ساعات يقومون برفع الانقاض و تنظيف الارض كي يستطيعوا التفكير بكيفية بدء حياتهم من جديد. الفراش يحرق، و الأدلة تُزال، الصحافيون ما زالوا ممنوعين من دخول المخيم، الكاميرات ممنوعة، مجموعات حقوق الانسان لم تدخل بعد. كل يوم يمضي و نخسر فيه دلائل و اثباتات هامة.

بالنسبة إلى بعضنا الذين عاشوا قرب مخيم البداوي خلال معركة البارد ، و قد أجرينا لقاءات بعدة اشخاص من سكان نهر البارد و قد أخبرونا عن استمرار مسلسل الاهانات و التعذيب و سوء المعاملة على نقاط التفتيش و في وزارة الدفاع في اليرزة، و استمر هذا المسلسل إلى اللاجئين الذين احتجوا سلمياً و بشجاعة أرادوا فيها ايصال كلمتهم للعالم أجمع، قد أطلق عليهم النار و تم قتلهم قرب مخيم البداوي، العالم تجاهلهم بالكامل، حتى موتهم!

منظمة العفو الدولية، أكبر منظمة لحقوق الانسان في العالم كانت تعد خلال الاسبوع الماضي تقريرا عن أحوال الفلسطينيين في لبنان و لم تقم بزيارة مخيم نهر البارد. و قبل مغادرتهم عقد مبعوثو المنظمة مؤتمرا صحفيا في بيروت و الذي أنهي بشكل مفاجئ عند اول ذكرٍ لاسم مخيم نهر البارد.

أمريكا لعبت دورا محورياً في هذه المعركة فقد دعمت سياسياً و عسكرياً و بقوة خيار الحكومة اللبنانية باستعمال القوة و ايجاد حل عسكري، الحكومة و بكل بساطة اقترحت على فتح الاسلام إما الاستسلام او الموت. الاتحاد الاوروبي و العديد من الدول العربية قد دعمت أيضاً هذا الخيار. الواجب الأخلاقي و القانوني للتميز بين المقاتلين و المدنيين و عدم استهداف التجمعات المدنية لم يكن شأناً هاماً بالنسبة للحكومة.

فلسطينيو لبنان و الذين كانوا خلال عدة مجازر سابقة، كانوا شأنا هاما للعديد من اصحاب دموع التماسيح في العالم، ها هم مرة أخرى بدون أي دعم في اللحظة التي يشكل فيها الدعم فرقاً.

يبقى السؤال، ماذا حدث في نهر البارد؟؟ و لماذا يبدو العالم بأنه غير مهتم؟!!

كتب هذا التحقيق في اواخر عام 2007

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)