هنا سيديروت، هنا غزّة!


هنا سديروت، هنا غزة
هنا سديروت، هنا غزة

هاني نعيم

استيقظ دافيد على وقع صوت والدته صارخة “هيّا إنهض. حضّر أغراضك التي تريد الأحتفاظ بها، سنذهب إلى تل أبيب. الصواريخ لا تصل إلى هناك”. يتفائل دافيد، فهو يعرف أنّ العاصمة  بمنأى عن الصراع الدائر مع الفلسطينيين واللبنانيين. فهي المدينة التي قصفت، لمرّة واحدة فقط، في الثمانينيات.

***

دافيد البالغ من العمر ستة عشر سنة، هو الابن الوحيد لعائلة بولنديّة، ولد هنا. يتابع ما يحصل من حوله، ولا يفهم لماذا يقوم بعض “الملّثمين” بقصف مدينته سيديروت بالصواريخ والقذائف. “ماذا فعلنا لهم ليواجهوننا بهذا الحقد؟” عبارة لطالما كررها بينه وبين نفسه عند تفكيره بكل ما يحدث في هذا “الشرق الاوسط السيء” كما يحب تسميته.

في هذه الأثناء، نهرته امّه “ألم تسمع ما قلته؟ هيّا”. لو كانت تخاف على ابنها من أن يموت بالصواريخ، لكانت نزلت به إلى الملجأ الذي يتّسع لكل قاطني المبنى، ومجهّز بكل المقوّمات الحياتيّة لبقاء هؤلاء لأيّام كثيرة هناك.. وربّما لأشهر. ولكنّها لا تريده حتّى أن يسمع دوّي الصوت، ويشعر بالهلع من جرّاء ذلك. عندها، أسرع دافيد إلى درج خزانته، تناول ألبوم صور قديم يحبّه كثيراً، إضافة لعلبة متوسطة الحجم تحتوي على “أقراص مدمجة” لموسيقى الروك التي تغريه، ويعتبرها “موسيقى التغيير الآتي”.

باختصار، دافيد كالكثيرين غيره الذين ولدوا في فلسطين، ولا يعرفون الكثير عن الواقع الحقيقي لما حدث، ويحدث على هذه الأرض الممتدة.

خلال دقائق، تجهّز دافيد وعائلته للتوجّه إلى تل أبيب، بعيداً عن كل شيء.

***

في المقلب الآخر من سيديروت، القصف على غزّة لم يهدأ منذ أسبوعين.

لم ينم أحمد منذ بدء الحرب. نومه متقطّع، ويبلغ 3 ساعات كحد أقصى يوميّاً. هنا، لا مقوّمات للحد الأدنى من الحياة، فالكهرباء والمياه عناصر غائبة منذ أشهر. فالوقت لم يعد له معنى. والقطاع سجن إبادة كبير، لا مجال للهروب منه. البربريّة تحاصر كل شيء: بحر المتوسّط، معبر أغلقه فراعنة، وجيش جبان يقوده نازيين. “متى يحين دوري وعائلتي؟” سؤال يطرحه أحمد في خلوته الليليّة، مع كل غارة قريبة من حي الزيتون حيث يقطن.

***

احمد لا يكره أحد. يحب الموسيقى، والرقص والمسرح. يحلم بحديقة عامّة في مدينته ليلاقي بها الصبية التي يحب. ويحلم بسلام يعطيه فسحة من الهواء الخالي من الفوسفور والدخان والموت. ولكنه يناهض كل أشكال  العنصريّة، ويرفض احتلال أرضه، لتحوّل بذلك إلى مسخ بغيض.

ليس لديه ما يخسره، بعد استشهاد أغلب أقربائه في غارات اليوم الأوّل. الحريّة بالنسبة له أثمن ما لدى الانسان. سيقاوم بيديه كي لا يفقدها. وسيبقى هنا على صدورهم كالجدار، كما كتب مرّة الشاعر توفيق زيّاد.

***

نزل دافيد وعائلته لدى أقاربهم. تعرّف على أصدقاء جدد من جيله، بينهم فتاة أعجبته، وهو أعجبها أيضاً، خصوصاً وأنّه “بطل” بنظرها، فهو “الآتي من أرض المعركة” كما قالت لصديقتها حافظة أسرارها. دعاها إلى السينما لحضور فيلم رومنسي. قبلت الدعوة بتردد ظاهري، ولكن بسرّها كانت الفرحة تغطّي مساماتها. “كيف لا أقبل دعوة للسينما من شجاع يقطن سيديروت؟” رددت بداخلها.

حين كانت تسدل الستارة معلنة أنتهاء الفيلم وبدء العلاقة بين دافيد واولغا، كانت مروحيّات الآباتشي تمشّط المبنى الذي يقطنه أحمد وعائلته معلنة نهاية حياتهم.

***

يوماً ما، إذا قرر دافيد الخروج عن الطاعة الأبويّة لعنصريّة بلاده، ومعرفة حقيقة أنّه يعيش على أشلاء مدينة فلسطينيّة قديمة، سيعرف عندها جيّداً سبب “قصف هؤلاء الملثمين للمدن الاسرائيلية”، وسيَفهم معنى أن يكافح الإنسان من أجل حريّة بلاده، ومعنى الحياة في ظل ظروف الموت. وعندها يعرف أن ما عاشه من ظروف “أليمة” لا تساوي شيئاً أمام ما أرتكبته بلاده بحق شعب بأكمله على بعد عشرين كيلومتراً من شرفة منزله في سيديروت.

كتبت في الأسبوع الثاني من بدء إبادة سكّان غزة.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “هنا سيديروت، هنا غزّة!”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s