مسودة “اعلان المبادىء”: معبر الرقابة على الإعلام اللبناني


إنّه الأخ الأكبر
إنّه الأخ الأكبر

ناقش ظهر أمس ممثلو وسائل الإعلام اللبنانية مع وزير الإعلام مسودّة “إعلان المبادىء” بدعوة من الوزارة. وتتألف المسودّة من مقدّمة وثمانية بنود. تطرح الوثيقة وبدءاً من مقدّمتها عدد من الإشكاليّات تقود لطرح اسئلة كثيرة، تتعلّق بدور الإعلام والصحافة، وبحدود حريّة التعبير، إضافةً لمسألة نقد شخصيّة الشأن العام، كما أنّها تثير نقاشات قانونيّة خصوصاً وأنّها تتضمّن مفردات ومصطلحات ذات صلة بالشؤون القضائيّة والتي لا يمكن تبسيطها كما ورد في الإعلان، كما أن الإعلان يتجاوب مع روحيّة “اتفاق الدوحة”، حسب ما جاء في المقدّمة.
هنا قراءة لهذا الإعلان الذي يخفي في طياته رقابة لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها في الأنظمة العربية القمعية.
بداية يمكن قراءة النص الكامل لمسودة إعلان المبادئ على هذا الرابط

هاني نعيم
تحمل المسودّة الكثير من العبارات المطاطّية، الضبابيّة، والمبهمة، إضافة لوقوعها في العموميّات، التي تحتمل ألف تأويل وتأويل.
البندان الأول والثاني من المسودة يطرحان إشكاليّة دور الإعلام والصحافة، فهل دورهما نقل الأخبار فقط؟ أم التحليل والنقد والمساءلة أيضاً؟ وإن كانت وزارة الإعلام لا تعرف ما هو دور الإعلامي والصحافي في المجتمع، فهذه مسألة أخرى.
كما أنّهما يطرحان مناقشة الموضوعية والحياد في الإعلام اللبناني، فهل تسعى وزارة الإعلام عبر “إعلان المبادىء” هذا إلى قيام إعلام لبناني لا قضيّة له، وصحافة لا لون لها؟
وهنا يمكن طرح سؤال آخر، هل يوجد في العالم أجمع وسيلة اعلاميّة حياديّة؟ قد يكون الإعلام موضوعي، ولكنّه لا يمكن أن يكون حياديّاً، فهو له دوره في التعبير عن مختلف التوجهات والآراء في المجتمع. على أي أساس يطلق على الصحافة في الدول الديمقراطية صفة “السلطة الرابعة”. أليس هذا تأكيداً على حجمها ودورها في بناء وتوجيه رأي عام ذو سلطة وتأثير، ومحاسب للسلطات السياسيّة والقضائية، وناقداً للواقع، ومغيّراً له.
وفي البند الخامس، ترد عبارة “العمل على تنقية الإعلام من لغة الشجار والتشهير والتهكّم”. من يحدد لغة الشجار مثلاً؟ والمصطلحات المشهّرة؟ أمّا بالنسبة للتهكّم، ربّما نسيَ من كتب المسودّة أنّه وسيلة طبيعيّة للتعبير. وعلى سبيل المثال، هل ستقوم وزارة الإعلام بإيقاف البرامج الكوميدية التي أضافت على الإعلام اللبناني نكهة مختلفة، وتميّزت بنقد سياسي واجتماعي بشكل ساخر وتهكّمي؟
أما البند السادس، فيبدأ بعبارة “محاذرة الانزلاق من النقد إلى الإهانة”. يبدأ بالتحذير من المساس باشخاص الشأن العام من قادة وزعماء سياسيين ونواب ووزراء وناشطين وغيرهم.. ومحاسبتهم.. إذا لم يقم الإعلام بنقد هؤلاء، ومسائلتهم، من سيقوم بذلك؟ ما تطرحه المسودة يشبه الى حد بعيد ما تمارسه السلطات الامنية والرقابة السياسية في العالم العربي على الاعلام.. إذ من الممنوع المساس بالملك او الامير او “الرئيس الدائم”. هو بمنأى عن النقد، وأعلى من أن ينتقد. لا بل يجب تبجيله بشكل دائم.
عبارة أخرى ترد في هذا الجزء “محاذرة الانزلاق..من المساءلة إلى القدح أو الذم”، ما هي أسس القدح والذم؟ هل إطلاق وصف “مجرم حرب” على زعيم ما قام بجرائم خلال الحرب الأهلية، يعتبر قدح وذم؟ هل القول بأن هذا الوزير سارق وناهب للأموال العامّة يندرج في هذه الخانة؟. فهل يستخدم الصحافي مثلاً مصطلح “التبذير” منعاً لجرح شعور المسؤول العام وذمّه؟ ام يستخدم عبارة “هدر المال العام”؟ كيف يمكن أن يكون شكل الإعلام إن كان غائباً عن المساءلة والنقد؟ وبعيداً عن فضح أعمال المسؤولين في الحقل العام وكشفهم أمام الرأي العام؟
لما لا تحدد الوزارة المصطلحات التي على إعلاميي لبنان وصحافييه استخدامها عبر كتيّب صغير يوضع في الجيب لامكانيّة استخدامه بشكل دائم؟
في البندين السابع والثامن، تطغى السمة الضبابيّة والعموميّة عليهما، إضافة للبديهيّة في العمل الإعلامي (البند الثامن خصوصاً).
باختصار، يقود هذا “الإعلان” إلى تقييد حريّة التعبير وتقويد العمل الإعلامي والصحافي في لبنان، والمشكلة لا تكمن في مضمونه فقط، بل حتّى في أساس وجوده. كما يمكن اعتباره “حصان طروادة” لوضع رقابة على الاعلام والصحافة تحت عنوان جذّاب هو “نبذ الكلام العنفي”. من هنا تعلو بعض الأصوات الاعلامية على اعتبار الاعلان بمثابة تهديد للحريّات العامّة في البلاد.
وإن كانت البلاد بحاجة إلى إعلان مبادىء فهو يكمن في عدم التعرّض للمؤسسات الإعلاميّة وحماية الصحافيين والكتّاب من التهديدات ، لا تقييد عملهم بالمرحلة الأولى عبر هذا الإعلان، ولاحقاً ملاحقتهم وزجّهم في السجون بحجّة “الانزلاق من المساءلة إلى القدح والذم” وغيرها من التهم التي يمكن عندها لأي شخص أن يوجهها لأي إعلامي بمجرّد نقده مدّعياً أنّه يشهّر به. ويُلحظ في هذه السنة ارتفاع عدد الدعاوى المقدّمة من أحزاب وشخصيات سياسية ضد وسائل إعلام مرئيّة ومقروءة، بحجج تشبه إلى حد كبير البنود الواردة في هذا الاعلان. هذه الحالة هي قبل اقرار “الاعلان”، فكيف بعد أن يقر ويعتبر ذو صفة قانونيّة؟
عندها يمكن أن نستنتج ونتخيّل ذلك، في بلاد تعتبر الأطراف السياسية فيها أن كل من ليس معها فهو ضدّها.

نشرت في منصّات
الثلاثاء 23/12/2008

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

2 thoughts on “مسودة “اعلان المبادىء”: معبر الرقابة على الإعلام اللبناني”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s