قراءة في الانتخابات الطلابية اللبنانية


في الحقبة الواقعة بين توقيع اتفاق الطائف وعشيّة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، عاش لبنان “ستاتيكو” اتّفقت عليه القوى الدولية والإقليمية والمحلية.
فكانت الانتخابات النيابية هي مسألة روتينية، وباتصال واحد يجري في الكواليس تكون الحكومة قد أعلنت. أما الرئيس فالكل يعرف من هو قبل سنة من مجيئه.
أما الآن وقد تغيرت الأمور ودخلت البلاد مرحلة جديدة يبدأ التحضير للانتخابات النيابية المقبلة وقد بانت معالمها من خلال موسم الانتخابات الجامعية الذي انتهى مؤخراً بعد أن كان سياسياً بامتياز.

هاني نعيم

منذ لحظة الاغتيال، والبلاد تعيش حراكاً اجتماعياً وسياسياً، افرز واقعاً جديداً، إن كان على صعيد العناوين السياسية، أو على صعيد خريطة التحالفات.
وأصبح كل استحقاق له حساباته ووزنه في جدول أعمال الأحزاب الكبرى في البلاد.

وكل مناسبة تختار فيها شريحة معيّنة ممثّل عنها في أيّة مؤسسة، إن كانت نقابيّة أو تربويّة أو أكاديميّة، تكون العناوين السياسيّة هي أساس الاختيار.
وهي تحصل على أساس المد والجذر بين فريقي المعارضة و14 آذار. فكل واحد منهما يريد إثبات انّه الممثّل “الأكثري” للشعب.

هذه العقليّة تشكّلت عقب نشوء كتلة نيابية اكثريّة لـ14 آذار في انتخابات 2005. امّا المعارضة فهي تعتبر ان حصول الموالاة على الاكثرية جاء نتيجة التحالف الرباعي الذي شكّلت هي احد طرفيه (حزب الله وأمل).

أما على صعيد آخر، فهذا التجاذب له وجه مشابه. ففي الانتخابات هذه، حصل التيار الوطني الحر على 70% من التمثيل المسيحي، وبذلك ادّعى العماد ميشال عون انّه “زعيم المسيحيين”، كونهم اختاروه ديمقراطيّاً. فيما يرفض “مسيحيي 14 آذار” هذه المقولة معتبرين انّ ممارسات عون خلال 3 سنوات كافية لتخسّره موقعه كممثل لأغلب المسيحيين.

من هذا المنطلق يُمكن فهم الأهمية التي يوليها هؤلاء الأطراف للـ “الاستحقاقات التمثيليّة”. فالفوز في نقابة هنا وجامعة هناك، يعني اكتساب نقاط في المعركة السياسيّة ضد الخصوم، وبالتالي الحصول على موقع متقدّم في سباق: “الممثل الأكثري للشعب”.
فكلّ جهّة تسعى بكل طاقاتها لتظهير هذه الصورة للرأي العام. فتجيّش الماكينات الإعلاميّة من وسائل مرئيّة ومسموعة ومكتوبة، والوسائل الإلكترونيّة من مواقع ومنتديات، ورفع حدّة الخطاب السياسي “لشد العصب لدى الشارع”، إضافةً إلى استخدام ما يطلق عليه “المال السياسي” من اجل شراء أصوات انتخابية هنا أو هناك.

في شباط 2006، مع توقيع “ورقة التفاهم” بين حزب الله والتيار الوطني الحر، تغيّرت خريطة التحالفات السياسية.
هذه الورقة أخرجت العماد عون من تحالف 14 آذار، وشكّل بعدها مع 8 آذار “المعارضة الوطنية اللبنانية” من أجل إسقاط الحكومة، بعد انسحاب وزراء حركة أمل وحزب الله منها، وانفراط التحالف الرباعي الذي انتج الأكثرية والحكومة، ومن اجل تأليف “حكومة وحدة وطنية”.

الجامعات، الخزان الحيوي للأحزاب

إعادة تموضع القوى زاد من الانقسام السياسي، وهذا ما انعكس على الجامعات، التي تعتبر “الخزان الحيوي” للأحزاب. فمنذ عامين، لا تمر انتخابات طلابيّة في إحدى الجامعات اللبنانية، رسمية كانت أم خاصة، إلاّ وتترافق مع ضجيج سياسي وإعلامي، وكأن الانتخابات الطلابية هذه ستكون مفصليّة وتاريخيّة في قلب بوصلة الأحداث. وكل نتيجة تعمل الجهات السياسية على استخدامها في البازار السياسي والإعلامي، وقراءتها ضمن السياق الذي يناسبها.

فكل كليّة داخل جامعة أصبح لها رمزيّتها، والحزب الذي يسيطر عليها، يعني ذلك دلالات سيكون لها وقعها على الانتخابات العامّة.
هذه الأجواء خلقت توتّرات ومشاحنات بين الطلاّب. وتعتبر أحداث الجامعة العربية في طريق الجديدة، يوم “الخميس الأسود” في كانون الثاني من العام الماضي، أبرز دليل على ذلك.

إقرار قانون العام 1960، أي قانون القضاء، في اتفاق الدوحة، جعل المعركة الانتخابية محسومة على صعيد الطوائف الإسلامية: تيار المستقبل شبه حاسم لتمثيل الطائفة السنيّة، وكذلك الأمر بالنسبة لحركة أمل وحزب الله الممثلين للطائفة الشيعيّة، أما الزعامات الدرزية فهي متوافقة على تقاسم النفوذ داخل الطائفة بكل “ود ومحبّة”. ولكن ما لم يحسم فهو التمثيل لدى المسيحيين. ومن هنا، يُمكن تفسير البازار الملحوظ في الخطاب التجييشي للقوى المسيحية من موالاة ومعارضة.
معركة شد الحبال بين التيار الوطني الحر من جهّة وبين القوات اللبنانية والكتائب وباقي الأحزاب في 14 آذار بدأت مع إعلان عون تمثيله للمسيحيين وتوقيعه التفاهم مع حزب الله، وزادت هذه المعركة بعد اتفاق الدوحة، وبدء التحضير للمعركة الانتخابية.

كل طرف منهما يحاول في كل جامعة إثبات انّه ممثل أكثرية المسيحيين. هذا الجدال بدأ منذ تشرين الأول الماضي، إذ جرت الانتخابات الطلابية في عدد من الجامعات الخاصة. في بعض الجامعات فازت قوى 14 آذار الممثلة غالباً بالقوات اللبنانية، وبعضها الآخر فازت المعارضة (الممثلة بالتيار الوطني الحر) ففي هذه الجامعات تمثيل باقي القوى ضعيف عادةً. ولكن ما يمكن ملاحظته عند كل انتخابات، إنّ وسائل الإعلام الخاصة بهذه القوى تقوم كل منها بإدّعاء الفوز، رغم الخسارة. ويستخدم الخاسر الكثير من الحجج للتدليل على انّه “ممثل اكثري للمسيحيين”، منها تبادل الاتهامات بخصوص تقديم خدمات للطلاب، إضافة إلى “الإشاعات” التي لا تنتهي حول استخدام “المال السياسي” في شراء أصوات الطلاب، ويمكن مراقبة الحملات الانتخابية لكل الأطراف ليتم التعرف على كميّة الأموال الضخمة التي ترصدها الأحزاب للجامعات، فهي “مصغّر” للانتخابات النيابية، حسب ما يتّفق عليه اغلب المراقبون والمحللون. أمّا السياسيون فيعتبروها “بروفة” على أساسها يرسمون توجّهات حملتهم الانتخابية للعام 2009، إذ يعتبرها كل فريق إنّها مفصليّة للبنان بخياراته السياسية.

جميع الأطراف تخوض الانتخابات الجامعية، كما الانتخابات النيابية، على أساس الشعارات السياسية العريضة، فلا برامج انتخابية طلابية ولا اهتمامات أكاديمية، ولا تحرّكات مطلبية تدافع عن حقوق الطلاب. وغالباً ما تجري الانتخابات في ظل جو من التوتّر والتحريض والإشاعات، وأحياناً المشاكل التي تستخدم فيها السكاكين والعصي، وهذا ما لا يمت للحياة الجامعية بصلة. وآخر الإشكالات التي حدثت في الجامعة اليسوعيّة وبعض كليّات الفرع الثاني تؤكّد على جو الانقسام المنتشر في الجامعات ذات الغالبية المسيحية. وهذا ما ينبأ بالأسوأ إذا ما استمر الخطاب السياسي والإعلامي لتلك الأطراف بنبرته المحضّة على الكراهية للآخر.

هذه السنة قام رئيس الجامعة اللبنانية بإلغاء الانتخابات الطلابية متذرّعاً بالوضع الأمني الغير مستتب. وقد لقي هذا القرار استنكاراً من جميع القوى السياسية. ولكن لو لم يحصل هذا القرار على التوافق بين هذه القوى، هل كان سينفّذ؟ هذا القرار هو كأي قرار آخر في البلاد، تتوافق عليه مصالح الطوائف وتقرّه وفقاً لأجندتها.

كثر الحديث في الآونة الأخيرة، حول إمكانية تخفيض سن الاقتراع من الواحدة والعشرين إلى الثامنة عشر، من اجل السماح لشريحة اكبر من الشباب للمشاركة بالحياة السياسية. والجدير بالذكر أنّ تلك الأحزاب رغم اعتمادها في نشاطها وحركتها على العنصر الشبابي، فهي لم تقم ولو بخطوة صغيرة من اجل الدفع باتجاه إقرار تلك المادة القانونيّة. حتى الأحزاب الداعمة لهذا القرار فهي غير جديّة بطرحها، وغالباً ما تستخدمه للاستهلاك السياسي ليس اكثر.

يدعو هذا الأمر إلى رسم علامات استفهام كثيرة، خصوصاً وانّ اغلب طلاب الجامعات تتراوح أعمارهم بين 18 و21. فهؤلاء الطلاب يستخدمون وقوداً في محرّكات الطوائف أحزابها، وهي- أي الطوائف- ترفض أن تعطيهم اكثر من ذلك الدور. فهل يستيقظ طلاب لبنان ويأخذون دورهم وموقعهم؟

الاربعاء 10- 12- 2008

نشر في موقع منصّات

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s