أم كلثوم تبوس الواوا في شارع الحمرا


أم كلثوم تبوس الواوا في شارع الحمرا

كتب يوسف حاتم، في جريدة النهار- الملحق الثقافي

بوب آرت على جدران بيروت

طغيان الصوت طغيان الجسد

على احد جدران شارع الحمراء، “طس” احد هواة الـ”بوب آرت” باللون الأسود لوحة “غرافيتي” تجمع صورة أم كلثوم ترتدي النظارة الشمسية مع عبارة “بوس الواوا” التي تغنّيها هيفا وهبي للصغار ويرقص على ايقاعها الكبار، وتحمل معاني كثيرة سواء في اللغة او في الايحاء، اذ اختلط معناها بين الجنس والمرض والطفولة. لنتخيل أم كلثوم تغني “بوس الواوا” بصوتها، فكيف يكون وقع الكلام؟ ولنتخيل “مغنية الواوا” تغني “للصبر حدود” و”رق الحبيب” فكيف يكون الصبر وكيف يكون الحبيب؟
ان تجمع لوحة واحدة أم كلثوم مع “الواوا” فهذه هي السوريالية في حد ذاتها. شكل من اشكال الفنون والتعبير واختلاط الحابل بالنابل، بل شكل من اشكال ذوبان الرصين بالرديء. قد يجد المرء في اللوحة تهكما ومحاكاة ساخرة او نوعا آخر من أنواع التعليق الإجتماعي النقدي أو “المتعالي”. يجمع مبتكر الصورة الجدارية نوعا من التضاد، بين مغنية “الزمن الجميل” وراقصة “الكليب الجميل”. الارجح أن الجدران باتت مكان الحرية الأنسب للتعبير في مختلف اشكاله. صورة ام كلثوم وكلمات هيفا وهبي تصبح بمثابة الامتداد اللامتناهي للثقافة الجماهيرية من دون أي تمييز.
أم كلثوم وهيفا وهبي “تضاد” في لوحة واحدة. هذه هي المفارقة التي تجعل من اللاشيء شكلا من اشكال الفن، وجوهر التضاد بين المطربة الكبيرة والارتيست هو الاختلاف في العصر، والاختلاف في اللغات. في البدء كانت اللغة في الكلام والصوت، واليوم اصبح الغناء بالجسد والحركات. في البدء كان الترانزيستور والفونوغراف، واليوم اصبحنا في عصر “الديجيتال” و”اليوتيوب”. أم كلثوم ايقونة الكلمة والصوت، وهيفا ايقونة الجسد. لكل زمنه. كان اهل الفن ايام أم كلثوم متهمين اتهاما مسبقا بالانحلال الخلقي، لذلك كانت تصرفات أم كلثوم محسوبة عليها بالخطوة، وكانت حذرة حيال اظهار انوثتها. كانت المرأة في عصر أم كلثوم يقاس جمالها بالخجل والحياء، ومن يقرأ الشعر الغزلي منذ الجاهلية لغاية عصر النهضة العربية يجد ان الشعراء يتغنون بحياء معشوقاتهم وخجلهن، أما اليوم فتتغنى الكاميرا بالمرأة الجريئة.

الجسد الملتبس

تغري المقارنة بين هيفا وأم كلثوم، بين الجسد المكشوف والجسد المستور، بين زمن الصوت وزمن الصورة، بين صوت الجسد وجسد الصوت، بين الاداء والطرب، بين السماع بالأذن والسماع بالعين، ففي جوهر المقارنة مسار لصناعة النجوم في العالم العربي. يبدو بديهياً اعتبار غناء “كوكب الشرق” رمزاً عالياً للصوت الجميل، وهي نجمة من نجوم بل نجمة النجوم في مرحلة الخمسينات والستينات في العالم العربي، ومهما تميزت بصوتها فهي كانت جزءا من منظومة ايديولوجية وسياسية وثقافية. أما هيفا وهبي فهي تغنّي لتقول جسدها، فالغناء مفتاح لايصال الجسد، والجسد هو الكلمة مع هيفا، ولا شيء سواه. الغناء بالجسد هو اللعبة السائدة اليوم. أم كلثوم آتية من العصف الجماهيري، وهيفا متخرجة في عصر الفضائيات العربية. أم كلثوم كانت أيقونة الصوت، ولكن علاقتها بجسدها تبدو محيّرة، فبينما طغت في حياتها لغة يغلب عليها الضمور والخفاء، كان الغناء الكلثومي يشبه صاحبته، حيث الحب الكلثومي دائماً يناجي ويتعالى عن التفاصيل واللمس. هكذا هي حياة “كوكب الشرق”، إذ لا نجد تفاصيل عنها، ولا نشاهد لها صورا كالنجوم، ولا نرى صورتها وهي تأكل في مطبخ، او وهي تنام على فراش. انها انسانة قائمة على توهم يتعدى الحقيقة.
في علاقة هيفا وهبي بجسدها يشتغل الوضوح، فهي جسد قبل كل شيء، وكان الجسد كلمة، على قول احدهم. هيفا هي تجسيد لكل هذه المتغيرات العالمية على مساحة الفن، وتالياً فإنها بمعالمها الأنثوية هي “الأنثى” في الذائقة العربية، بصرف النظر عن شكل ما تقدمه من عروض غنائية وعن مضمون هذا الذي تقدمه! هي تختصر الشكل الجديد لصناعة النجومية، وتبدو صاحبة حضور مذهل في العالم العربي. ولكن ثمة من يصفها بالأُضحية و”الفتاة الشقية”. وثمة من يقول إن جمالها غير متناسق، فهي صاحبة الذراعين الممتلئتين، وهي تعمل ما في وسعها لتكون جميلة في الصورة قبل ان تكون جميلة بذاتها. ولتكون جميلة في الصورة يلزمها ان تخضع لعمليات التجميل، فيصبح وجهها على شكل مثلث مقلوب. الشفتان بارزتان مثل شفتي انجيلينا جولي، مع ارتفاع في الخدين، وانف مرتفع قليلا ومدقق، الى جانب لون العينين المستعار، من دون ان ننسى انتفاخ الصدر واستدارة المؤخرة. ذلك كله من ضرورات صناعة النجومية، ومن الامور التي حظيت بها هيفا خلال مشوارها الفني. فهي حين تصعد الى المسرح وتباشر الموسيقى العزف، تبدأ بتحريك ردفيها، فضلا عن الدلع في العينين والابتسامة، وحركة الفخذين، بينما أم كلثوم كانت تقف جامدة وراء الميكرو، تقتصر حركاتها على تحريك المنديل في يدها وقد دارت الشبهات حوله حيث يقول البعض إنها كانت “تشمّ” شيئاً ما مقيماً في ذلك المنديل.
ما تقوله هيفا هو مفردات الرغبة، وما يقوله جسدها يمكن تسميته “فياغرا” للمخيلة البصرية، أما ما تقوله ام كلثوم فمقتصر على مفردات الحب والغياب واللوعة.
في علاقة ام كلثوم بجسدها يزيد التوهم، وتصبح بين الذكورة والانوثة. يقال ان والدها قبيل ولادتها في طماي الزهايرة، كان “يتقرب الى الرسول بالتواشيح والمدائح ليكون المولود ذكرا ويكون لخالد (ابنه) اخ له سند” (الدكتورة نعمات احمد فؤاد)، لكن الباحثة رتيبة الحفني تقول ان ام كلثوم “كانت معجزة في ولادتها، فوالدها الشيخ ابرهيم رأى ليلة 27 رمضان (ليلة القدر) حين غلبه النوم، وهو في المسجد، في منامه سيدة بملابس بيضاء يشع وجهها نورا وتغطيه لفافة خضراء. وحين فتحها وجد في داخلها شيئا له بريق فسأل ما هذا؟ قالت: هذه جوهرة وبشرى السعد حافظ عليها. عندما سألها: من انت؟ اجابت: انا ام كلثوم ابنة النبي محمد”.
في طفولتها، عانت ام كلثوم من الموقف التقليدي من التعليم. فلم يكن مألوفا تعليم الفتيات في ريف مصر. ولم يستسغ والدها تعليمها لكلفة التعليم البالغة اربعة قروش في الشهر. وقد ذكرت ام كلثوم ان ذهابها الى الكتّاب كل صباح كان حدثا مفجعا يتكرر كل يوم. فكثيرا ما كان “سيدنا” يأمرها هي وبعض زميلاتها بأن تذهب وتساعد زوجته في تنظيف الحبوب بعد تنقيتها. وكانت ام كلثوم تعطي سيدنا شيخ الكتّاب كل يوم نصف فطيرة او عود قصب او برتقالة تأخذها معها من البيت. ويقول حازم صاغية في كتابه “الهوى دون أهله”: “عاشت ام كلثوم عند الخط الرفيع بين الذكورة والانوثة، ناقمة عليها. لقد تمثل الرجال حينذاك بشقيقها خالد، وحين استطاعت احراز غلبتها عبر الغناء، وجد الوالد الحل في ان تتنكر الفتاة في زي غلام. اما شعرها فتغطيه بكوفية وعقال. وهكذا بدت ام كلثوم كالبدوية”. اما غاية الوالد من ذلك بحسب كاتبة سيرتها فكان اقناع الجمهور بأن “المغنية” صبي صغير وليست فتاة صغيرة.
عند بدايات ظهورها الفني، كان خصومها يسألون “هل هي بنت ام ولد؟”، بل اطلق عليها بعض هؤلاء عبارة “السيد ام كلثوم”. ويمضي نزع الجنس وما يمت اليه بصلة خطوات ابعد، فتتباهى كاتبة سيرتها نعمات احمد فؤاد بأن المطربة المصرية تفوقت على غريماتها على رغم ان الجمال كان سلاحا ماضيا ضدها، وبدوره كان الشكل الذي ظهرت عليه ام كلثوم حياديا خالصا من بساطة الشعر المردود الى الوراء، الى الوجه الصريح المعلن الذي يستدعي أي تغيير يكسر الضجر والرتابة. اما اناقتها فـ”اناقة الكمال، فلا بهرجة ولا فضول. احب الالوان اليها كان داكنا”. ولا تلبث المقارنة الضمنية بالمغنيات، في هذا الميدان، ان تطل برأسها.
فأم كلثوم، “على تطورها مع الازياء، ظلت الى ان تزوجت، تلبس الكم الطويل الذي يعجب الجمهور الشرقي، المحافظ منه والمتفرنج. وكان الكم الطويل يخلع وقارا عليها ويجعل فستان السهرة الطويل بطبيعته، وكأن طوله مقصود للحشمة”. فاذا التقط مصور صحافي صورة لها في 1929 وهي على الشاطئ تلبس المايوه الاسود، بذلت كل ما يمكن بذله لحمله على اتلاف الصورة، واستخلصت من تلك التجربة المرة انها، بذهابها الى البحر، كانت “سخيفة”، وانها لن تلبس ثانية مثل هذه الثياب، فهي فلاحة تتبع “تقاليد شعبها”. ونشرت إحدى المجلات الفنية خبرا تقول فيه إن أم كلثوم قد غادرت قريتها هربا من العار بعدما تعرضت للاغتصاب، وقد شاعت التهمة وترددت حتى أصبحت أشبه باليقين، وفي الوقت الذي فضّل فيه أبوها الهرب عائدا إلى القرية، قررت هي أن تبقى في القاهرة، وتقبل التحدي، وقررت حتى أن تخلع الثياب الريفية وأن تصبح فتاة عصرية، بل إن الفلاحة تحوّلت حقا إلى أميرة. هكذا تبدو علاقة أم كلثوم بجسدها ملتبسة، سواء في طريقة زواجها السرية، او في حب احمد رامي لها.
في المقابل تبدو هيفا “الوضيعة” اكثر تصالحا مع جسدها وذاتها، واذا كانت ام كلثوم قائمة في مشوارها الفني على الثبات و”الطغيان الصوتي”، فهيفا تقوم في مشوراها على “طغيان الأنوثة”، ولا تتردد في اصطناع الحركات من هنا وهنا، ولا تمانع ان تطيّر المروحة فستانها وتظهر ملابسها الداخلية في احد البرامج التلفزيونية، وهي تريد استنساخ مشهد مروحة ماريلين مونرو الذي سئم الجمهور من تقليد معظم فنانات الغناء لها بالجسد، من نانسي عجرم الى مروى ودانا، ولا تمانع هيفا ان يطاردها “الباباراتزي” (المستعار) ويلتقط لها صورا وهي ترتدي المايوه على متن يخت في عرض البحر، فهذه الصورة جزء من عدّة مشوارها الفني وطريقة وصولها الى الجمهور. ولا تمانع ان تظهر صورتها بمايوه اسود مع زميلات وزملاء لها في “الجاكوزة”، او ان ترتدي التنورة القصيرة الى درجة تظهر ملابسها الداخلية حين تجلس بين مجموعة مزينين يصففون شعرها، او ان ترتدي الشورت القصير على المسرح، بل لا تمانع ان ترقص رقصا يعتبره بعضهم “مثيرا” مع المغني شاغي وهو الذي غنّى لها “سكسي هيفا” وهي تقترب منه، ورقصت معه كما يرقص السود وتلوّت معه في مشهد متناسق. ايضا لا تمانع هيفا ان ترقص قبالة راغب علامة في مشهد محزن، فكل المشاهد الهيفاوية تحدث مناقشة عقيمة بين مؤيد ومعارض، بين مشجع ومندد بـ”مغنيات اخر زمن”.
جاءت هيفا الى الفيديو كليب من عالم الجسد، بالأحرى من صورة جسدها وخياله. عدا مقارنة لعبة الجسد بين هيفا وأم كلثوم، هناك الكلمات المغناة، حيث يسع المرء ملاحظة ان كلام الأغاني في العالم العربي انعكاس للواقع الاجتماعي وربما السياسي. فلكل مرحلة كلماتها وفنانوها وشعراؤها وطبّالوها. إزاء ذلك يجب عدم الحكم على زمن الفضائيات بأنه “يثمر” ما يسمّى “الكلمات الرديئة”، فللموضوع تداعياته ومساره الطويل وحكايته المعبرة سواء في العصر الذهبي او في “الزمن الرث”. لنتأمل أغاني ام كلثوم التي ارتبطت بأوقات الليل والسهر، مناجيةً الحبيب الغائب ابداً، والهلامي في كل الاحوال.

الـ”هو” وفجور الـ”انا”

أم كلثوم “رائدة” اغاني الحب والمحبين في العالم العربي. ربما تكون أقل من عرف الحب. هي “صوت الحب” وليست من عاش الحب، او هي صوت البحث عن الحب لا الحب الفعلي، تقابل بين تفاني الحبيب المشخص في الأغنية والغناء ونكران الشريك الغائب. هكذا فإن الحب الكلثومي اقرب الى المناخ الديني. انه التجويد الروحي.
الصدمة العربية الجديدة كانت “واوا” هيفا وهبي. وما ينبغي التنبه اليه في أغاني “مغنيات الجسد” هو صعود موجة الـ”أنا” في كلمات الأغاني، على عكس موجة الـ”هو” في الأغاني العربية التقليدية. ربما يكون ذلك شكلا من اشكال الفردية في مقابل فضاء الجماعة والامة لدى ام كلثوم. هيفا تغني “انا هيفا انا، من غيري أنا”، ودانا تغني “انا دانا انا دندن”، وهي تواصل مشوار الأنا المتورمة. تقول في اغنيتها الجديدة “مين دا اللي ما يعرف دودو”، بالطبع الجميع يعرفها. عدا فجور الأنا، هناك فجور الكلمة الواحدة مثل اغاني “العب”، “بص”، “هس”، “واوا”… الخ.
أم كلثوم هي الشكل الفادح لطغيان ثقافة السلطان، وهيفا ومغنيات الجسد هن الشكل الأكثر وضاعة للثقافة الشعبية الجمالية، ولطغيان الأسلوب على المحتوى والغلاف الحلو على الحشوة السامة. رؤية هيفا كنجمة – سلعة استهلاكية حيث تجري علاقات تصنيع النجمة والجمهور وفق فلسفة استهلاك خاصة وحيث تكمن المسألة المركزية في صناعة الربح وضمان عدم اهتراء رأس المال وأداة الإنتاج في آن واحد .

الاحد- 16 تشرين الثاني- 2008

جريدة النهار

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

4 thoughts on “أم كلثوم تبوس الواوا في شارع الحمرا”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s