مسرحية “قدام باب السفارة الليل كان طويل”


من التمارين
من التمارين

بعد أشهر من العمل والإعداد، انطلقت أخيراً في بيروت مسرحيّة نضال الأشقر الجديدة «قدام باب السفارة الليل كان طويل» (الصورة خلال التمارين). العمل شبابي قلباً وقالباً، يحكي بلغة السرد والراب والـ Hip Hop، معاناة جيل لا يجد مكاناً في بلاده فيستسلم لحلم الهجرة. كتبت نضال النص مع الشاعر عيسى مخلوف، ولحّن الفنّان خالد العبد الله بعض الأغنيات الاجتماعية، وتشارك في التمثيل ندى أبو فرحات وراوية الشاب ومجموعة من الفنانين الشباب. تستمرّ العروض في «مسرح المدينة» حتى 30 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي.

———

المقال الثاني لبيار ابي صعب حول المسرحية:

حكواتي HIP HOP قدّام باب السفارة

بسام أبو دياب وأسيل عيّاش وسليمان زيدان في مشهد من العرض (هيثم الموسوي)

بسام أبو دياب وأسيل عيّاش وسليمان زيدان في مشهد من العرض (هيثم الموسوي)

عودة نضال الأشقر إلى الخشبة بعمل جديد، شبابي الروح واللغة والمشاغل، هو حدث ثقافي يستحق الحفاوة. تجربة جديدة بالاشتراك مع الشاعر عيسى مخلوف، حالياً على خشبة «مسرح المدينة»، يبقى منها بشكل أساسي ذلك النبض الصادق لشبان وشابات تتقاطع عندهم أسئلة المواطنة وأسئلة المسرح

بيار أبي صعب
لا يحتاج المشاهد إلى وقت طويل كي يدخل اللعبة. منذ اللحظات الأولى نحن أمام باب السفارة. فضاء سينوغرافي بسيط يظهر عري المسرح، حواجز من البلاستيك وسواتر وبراميل وصناديق قمامة، تسبح في إضاءة معدنيّة (جوديث غرين وود/ محمد فرحات). وعلى امتداد جدار العمق يسلّط البروجكتور صورة هائلة. لقطة منحرفة، من أسفل إلى أعلى، تمثّل أطياف عمارات في ليلة مقمرة من ليالي بيروت. في الظلمة صف طويل من المواطنين، ينتظرون دورهم لتقديم طلب «الفيزا». لقد دخل الممثلون بطريقة مؤسلبة من يمين الخشبة. موكب طويل متعب، يتقدم ببطء على إيقاع روتيني. كوريغرافيا جنائزيّة، أجساد في وضعيّات تعبيريّة تعيد النظر بالتوازن والجاذبيّة الأرضيّة. كأننا أمام دمى ميكانيكيّة. الأيدي اليمنى تقترب من الوجوه ثم تبتعد، في كل منها رقم متسلسل يحدّد دور المنتظرين، أحقيّة واحدهم في التقدّم خطوة إضافية صغيرة في اتجاه «أرض الميعاد»… فيما مكبر الصوت يردد الأرقام العتيدة باللغات الثلاث: 61، 62، 63، إلخ. بعضهم هنا منذ أسابيع، وبعضهم منذ أشهر. معظمهم لا يصل دوره أبداً، فيعود في اليوم التالي، وهو غير متأكد من الدخول… وإذا قبل طلبُه، من الحصول على التأشيرة السحريّة التي ستدخله إلى الجنّة الموعودة.
المشهد أليف جداً لكل مواطني العالم الثالث، للعرب تحديداً: كلما ضاقت الأوطان وتحوّلت إلى بؤر البؤس والتخلّف والقمع والحرمان والعنف التي نعرف، اتسع سراب العالم الغامض البعيد وتفاقم حلم الهجرة والسفر إلى برّ الأمان المفترض. نضال الأشقر اتخذت من هذا الواقع إطاراً لمسرحيّتها الجديدة «قدام باب السفارة الليل كان طويل» (النص بالاشتراك مع عيسى مخلوف، تقمّش خلال ارتجالات البلاتوه). الهروب بأي ثمن إذاً. صحيح أن لبنان لم يعرف حتى الساعة الأشكال التراجيدية التي يعيشها المغاربة وأهل القارة السمراء، من إبحار سريّ على سفن الموت التي قد لا تصل أبداً. لكن لبلد الأرز ـــ كالعادة! ـــ حكايته الخاصة. أبناء وبنات جيل اليأس، سيجدون أنفسهم محاصرين في هذه البقعة الضيقة «قدام باب السفارة»، لأن اشتباكات أمنية وقعت في بعض شوارع المدينة. هذا الليل الطويل إذاً، جمعت فيه نضال الأشقر شبانها وشاباتها (بعضهم محترف، ومعظمهم من طلبة معاهد الفنون)، ليقولوا ـــ كما في حفلات نهاية العام المدرسيّة ــــ تجربتهم وغربتهم ورفضهم لهذا الواقع البائس الذي يجبر حبيبين على السفر إلى قبرص إذا رغبا في الزواج خارج طقوس القبيلة!
يبدأ الغناء على حين غرّة. نخاله الكورس الإغريقي يمهّد للحدث التراجيدي. «نحنا المتروكين/ عَ بواب السفارات/ زهقت منّا السفارات/ يا عيني عَ السفارات…». ثم يخيّل إلينا أننا أُقحِمنا عنوة في استعراض غنائي راقص، من النوع الذي قد يحمل إلى المسرح اللبناني شيئاً من البهجة والحياة. لكن الاستعراض لا يذهب بعيداً. يتركنا بين يديّ «احتفاليّة» نعرفها جيّداً، وتتقنها نضال الأشقر جيّداً، هي ديفا العصر الذهبي للمسرح اللبناني، ووريثة تقنيات الفرجة وجمالياتها القائمة على «السرد» و«التغريب». إنّه مسرح «حكواتي» إذاً، تستعيده (تحييه) نضال الأشقر على طريقتها، حيث الحكاية تتفرّع إلى حكايات، والقالب الدرامي يبقى مشرّعاً على احتمالات كتابة لم تمضِ، هي الأخرى، إلى نهاياتها. في «مسرح المدينة» هذه الأيام، نحن على موعد مع الفرجة… أولاً وأخيراً!
الباحة أمام السفارة ستصبح فضاءً للسرد والتمثيل، للغناء والرقص، وسط مؤثرات بصريّة تسبغ على العمل بعداً طفولياً وحلمياً مريحاً. بعض الممثلين يعزف أيضاً، وبعضهم الآخر يغني منفرداً (تراث قديم، وألحان الأغنيات لخالد العبد الله)، والجميع يرقص ويغني في «الجوقة». هناك مغنيا راب (إدوار عبّاس، وناصر الدين الشربجي)، ومناخات حركيّة وملابس مستعارة من الـ HIP HOP. جوقة ممثلين، كل منهم يستحضر ذكرى ويتقمّصها. يختار حكاية، ويؤديها فيتبعه الآخرون، ويتشكّل المشهد… ثم يفضي إلى مشهد آخر وحكاية أخرى، وهكذا دواليك. مجموعة اسكتشات يربط بينها الاحتفال، خياراً دراميّاً. علماً أن الحوارات لا تخلو من التعليقات المباشرة (ما يذكّر من بعيد بمسرح الرحابنة): «بلدنا ضحيّة الجغرافيا (…) ما عم نقدر نتفق على ولا شي»، «بالدم بالروح/ بلدنا رح يروح/ بالدم بالروح/ لوين بدنا نروح؟»، «بلد الكبت والطوائف… ووجوه الزعماء»، «الطوائف خط أحمر، اللي بيقطعوا بيحترق» إلخ.
هناك أولاً مشاهد السفر: لوحات متتالية تأخذنا إلى أفريقيا ونيويورك وفنزويلا وأوستراليا والخليج… هناك المونولوغات والتداعيات التي تعكس هموم الشباب ومعاناتهم وتجربتهم اليوميّة، وغير ذلك من شكوى واحتجاج. ثم مشهد خالد وزينب يتكرر كاللّازمة بين اللوحات: هو متمسك بها وهي تريد أن تمضي: «الحب صعب في هذا البلد!». وهناك مشهد المبارزة حين ينقسم الجمع إلى فئتين متناحرتين على أثر مشادة سخيفة، ولعله من أجمل لحظات المسرحيّة، مشغول بنبض وقوّة وديناميّة وبلاغة إيقاعيّة وكوريغرافيّة (كوريغرافيا نديم بحسون)… ثم هناك الجزء الثاني من المسرحيّة: وهو الأقوى والأنضج والأنجح فنياً، يصلح نواة لعرض آخر مستقل: انطلاقاً من صور قديمة بالأبيض والأسود لهجرات سابقة تعرض على خلفيّة المسرح، وعلى أنغام أغنيات مثل «بابوري رايح رايح… بابوري جاي»، تتشكّل لوحات ومشاهد موازية وحوارات استعاديّة بين الممثلين، تحكي قصصاً متخيّلة طالعة من الصور، تتقمصها وتشخّصها، بأسلوب يعيد إلى الأذهان العصر الذهبي للمسرح السياسي في لبنان. «قدام باب السفارة فرصة لاكتشاف طاقات ومواهب مميّزة. إضافة إلى راوية الشاب وندى أبو فرحات، هناك نسرين حميدان وأسيل عيّاش، وهناك علي يونس وسليمان زيدان الذي يبدو وقد أفلت من مسرحيّة قديمة لزياد الرحباني، ونتوقّع له مسيرة حقيقية في عالم التمثيل… والقائمة تطول. ينبغي أيضاً أن نتوقف مليّاً عند الشغل البصري الذي قام به الثنائي عمر خوري وفادي باقي بين رسم وتحريك. تعبر على شاشة العمق، طوال العرض، سماوات وبحار وغيوم وأمواج. تعبر السلاحف البحريّة، وطائر الرخّ، وكائنات وعناصر «سمندليّة» أخرى (نسبة إلى مجلّة «السمندل» التي شارك عمر وفادي في إطلاقها)… لتواكب المشاهد وتعطيها بعداً ثالثاً.
ليست مسرحيّة استعراضيّة «قدام باب السفارة…»، هذا صحيح. لكن الاستعراض هو مادتها الأولى. وإذا كان الحكواتي يطل برأسه في بعض المشاهد المتقنة، فلا يسعنا أن نتحدث عن مسرح سياسي. إنّه تمرين شبابي بإشراف فنانة رائدة مؤتمنة على تاريخ ثقافي عريق، تحوّل إلى احتفال مشهدي راهن، يشدّك بعفويّته وجمالياته، ويحرّضك بوجعه السياسي والإنساني. نعم المسرح أيضاً مصنع المواطنين! تبوح نضال بأنها شعرت خلال الإعداد، بأنّها ابنة الثمانية عشرة التي أخرجت عملها الأوّل «المفتّش». ولعل بين ممثليها وممثلاتها الجدد، من سيلتقط العدوى ويواصل المغامرة، فيأخذ المسرح اللبناني إلى أقاليم جديدة…

حتى 30 ك1 (ديسمبر) المقبل ـ مسرح «المدينة» (الحمرا) ـ للاستعلام: 01/753010


عدد السبت ٢٥ تشرين أول 2008

جريدة الأخبار

***

مقال بيار ابي صعب في جريدة الاخبار حول المسرحية، قبل عرضها:

نضال الأشقر تستعيد «شبابها»

بيار أبي صعب
«كأنّها مسرحيّتها الأولى». عيسى مخلوف، الشاعر اللبناني الذي يخوض إلى جانب نضال الأشقر تجربته الثانية في المسرح، اختصر المسألة بجملة اسميّة واحدة. كان جالساً ظهر أمس إلى يمينها، وسط الفنانين والتقنيّين، لتقديم عملهما الجديد «قدام باب السفارة الليل كان طويل» الذي ينطلق الجمعة 17 ت1 على خشبة «مسرح المدينة» (بيروت). لقد أراد على الأرجح أن يحيل إلى ديناميّة نضال وتجددها الدائم، لكنّ شهادته لم تقف عند حدود المجاز. نضال الأشقر بدت حقاً شابة متحمّسة عند تجربتها الأولى. تارة تستحضر أستاذتها البعيدة جون ليتلوود، وطوراً تدعو إلى «تغيير هذا النظام البالي والمرتّ (الرديء)». مسرحيّتها الجديدة التي كتبتها مع عيسى مخلوف تحكي عن هاجس الهجرة الذي يسكن الشباب اللبناني الغارق في دوامة اليأس والعنف والفساد. شبّان وشابات على باب السفارة من أجل التأشيرة… تندلع أحداث عنف في المدينة، فتحاصرهم، وتنشأ بينهم علاقات ألفة. 14 شاباً وشابة معظمهم من طلبة المعاهد المسرحيّة، اختارتهم «لغنى تجربتهم الإنسانيّة»… اعتمدت معهم على الارتجالات، إلى جانب التمارين والاعداد (صوت، رقص، فنون قتاليّة…). كان مخلوف يعيد الكتابة في ضوء نتائج العمل في المختبر الذي استغرق ثلاثة أشهر. ليست مسرحيّة استعراضيّة تؤكد «الست» كما يسمّيها الشباب. ديفا العصر الذهبي للمسرح اللبناني، ما زالت تؤمن بالمسرح الاحتفالي: الغناء والرقص جزء من اللعبة المسرحيّة، القائمة على التغريب. بريشت ضيف الشرف الخفيّ إذاً، والعرض أقرب إلى «ماهاغوني» منه إلى «ويست سايد ستوري». في المسرحيّة RAP، وأغان قديمة قائمة على الحنين، وأخرى سياسية كتبتها مع مخلوف ولحّنها خالد العبد الله. والشكل المسرحي ملحمي بامتياز، أساسه «الحكواتي»: الممثّلون يروون لنا الوقائع ثم يشخّصونها. أجمل ما في لقاء الأمس، بين صور فنّانات خالدات على جدران قاعة «نهى الراضي»، كان عفويّته. تتندّر La Mama مع الممثلين (بينهم محترفتان على الأقل ندى أبو فرحات وراوية الشاب). وحين يأخذ أحدهم الميكرو، يقول كلاماً عن التقاطع بين تجربته الفنيّة والحياة في الخارج… لعلّهم المفاجأة التي تخبّئها لنا نضال الأشقر.

جريدة الأخبار

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s