الأمن Vs الخوف


بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، وخروج جيش الوصاية السورية من لبنان، وبالتالي انكشاف الامن اكثر، دخلت البلاد في فوضى التفجيرات الامنية والاغتيالات السياسيّة، وعليه ظهرت الى السطح ظاهرة “الحماية والامن”.

المظاهر الامنيّة – الاهلية اصبحت سمة اساسيّة تضاف لملامح شوارع الاحياء في بيروت. بعد ان فقد الناس الثقة بالقوى الامنيّة، بكونها لا تستطيع ان تمنع التفجيرات، بدأ الناس في الاحياء بإقامة مجموعات تحمي “الحي” وتعرف تحت اسم “الامن الذاتي”، وهذا عادةً ما يكون بإشراف الحزب المسيطر في هذه المنطقة او تلك.

والخوف من الاغتيالات، دفع العديد من الزعماء الى إنشاء مربّعات امنيّة بجوار قصورهم ومنازلهم، وغالباً ما تكون مستطيلات تستحوذ على عدد من الاحياء دفعة واحدة، وتصبح هذه “البؤر” ثكنات بكل معنى الكلمة. وطبعاً لكل جهاز امني طريقته الخاصة بالسيطرة على هذه المربّعات، وعليه يمكن تصنيف هذا الامن بين الغبي والذكي.

يضاف الى الامن الذاتي، ظاهرة الشركات الامنيّة الخاصة، التي نمت كالطحالب، واخذت الكثير من الجدال بين الفرقاء السياسيين، خاصة خلال الاحداث الاخيرة في بيروت، حيث تبادلوا الاتّهامات حول المسؤولية عن تلك الشركات، والحجّة دائماً: إقامة ميليشيات مسلّحة بغطاء امني.

للمؤسسات الامنيّة الرسميّة حصّتها من المشهد طبعاً، فهي المخوّلة رسميّاً ان تقوم بحماية المواطنين، والسيادة. وقد كان للجيش اللبناني دور بارز في فضّ النزاعات والاشتباكات التي قامت بين الميليشيات المتعاركة من معارضة وموالاة. وهو اليوم، يقوم بدوريّات روتينيّة في شوارع بيروت، بالاضافة الى النقاط الامنيّة الدائمة على خطوط التماس القديمة والجديدة، للجم الاطراف المتعاركة. وبالطبع لا يمكن تجاوز دور قوى الامن الداخلي وفرع المعلومات في العمل الامني.

إن الجيش اللبناني قد حافظ على توازنه في عدم الانخراط بالجدال السياسي. وبقي- على الاقل اعلاميّاً- على مسافة واحدة من كل الاطراف، رغم علامات الاستفهام التي ارتسمت لدى الموالاة بكونه متغاضي- بشكل او بآخر- عن اعمال العنف المسلّح التي قامت بها المعارضة في بيروت وجبل لبنان. ورغم ذلك، وصل قائد الجيش الى قصر بعبدا بتوافق محلّي، عربي – دولي.

امّا بخصوص قوى الامن الداخلي وفرع المعلومات، فرُسمت حول دوره علامات استفهام من قِبل قوى المعارضة، خصوصاً وانّه اعتبر مدعوماً من الموالاة. وبالتالي فقد هذا الجهاز الثقة من طرف اساسي في البلاد.

“فوبيا” الامن ليست متوقّفة على الشأن السياسي – العسكري فقط، فقد طالت المؤسسات المدنية ايضاً، فأصبح امام كل مؤسسة او متجر كبيراً كان ام صغيراً، كاميرات مراقبة ورجل امن خاص يُعنى بمراقبة حركة الناس وتفتيش الزبائن الوافدين، خوفاً من اي “جسم مشبوه”.

حتّى انّ كاميرات التصوير والمراقبة اصبحت جزء من ايّ شارع في بيروت، منها العلني ومنها الخفي، وهي كعيون “الاخ الاكبر” تُراقب المواطن في خطاه “كي يبقى على الصراط المستقيم”.

هذه الظاهرة التي تجتاح البلاد تؤكّد على انّ هناك ازمة حقيقيّة في المجتمع اللبناني. ولكن هل هذه الازمة امنيّة؟ ام انّ طابعها امنيّ؟

خرج اللبنانيون من حرب اهليّة مدمّرة بإتّفاق سياسي بين الاطراف المتنازعة، وبمصالحة على المستوى الفوقي – السياسي دون ان تطال هذه المصالحة البنى الاجتماعيّة – الشعبيّة. ما يعني انّ الحواجز النفسيّة التي نشأت من جرّاء الحرب بقيت بين الناس، و”الخوف من الآخر” بقي

كهاجس اساسي في الحياة الاجتماعية بين اللبنانيين.

لم تشكّل الهدنة – ما بين اتّفاقي الطائف والدوحة – ساحة تلاقي بين كافة اللبنانيين. فقد كانت فترة هدوء نسبي وحسب حتى شباط 2005 وحضور شبح الحرب الاهليّة، إذ عاد الخوف ليحلّ بين الناس، خصوصاً وان الانقسامات السياسيّة – الطائفيّة قد بلغت حدّها، والانتخابات النيابية الاخيرة أفضت الى أن كلّ طائفة اصبح لها حزبها الرسمي الذي يمثّلها بما يشبه الفيدراليّة الغير معلنة، وبذلك اغلقت الطوائف ابوابها وبدأت بالتجييش وتعبئة ابنائها وتخويفهم من “الآخر”، والكل له حججه السياسيّة. وبالتالي، يُمكن ان نفهم خطاب “التخوين” كحالة تعبير عن فقدان الثقة بـ “الآخر” و”المختلف”، الذي اصبح الخطاب الرسمي للطوائف في مواجهة بعضها البعض. واتّفاق الدوحة ليس الاّ صيغة هشّة، وهذا الواقع تبرزه الاشكالات الامنيّة التي لم تتوقّف منذ إعلان الاتفاق والصعوبات التي تقف امام تشكيل الحكومة وغيرها من الترتيبات المعلنة في الدوحة.

الازمة في لبنان، ابعد من كونها مجرّد هاجس امني عابر، ينتهي مع الهدوء السياسي. انّها ازمة فقدان الثقة بين الاطراف، وخوف الطوائف من بعضها البعض، مع الاشارة الى انّ الطوائف تعيش وتستمر دوماً في ظلّ “التخويف من الآخر”. اما المظاهر الامنيّة المستبيحة لكل شارع فهي ليست الا شكلاً من اشكال الخوف بين الناس.

الخوف لا يُحل بالامن، انّها مسألة ابعد واعمق، قد يكون اللبنانيون بحاجة الى عقد اجتماعي جديد تكون فيه المواطنة اساساً للترابط بين الناس والدولة.

ملاحظة: كُتبت هذه المقالة اثناء الازمة الحكوميّة.

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

1 thought on “الأمن Vs الخوف”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s