مُنظّر بلا حياء!


هاني نعيم

امتشق الغليون، رفع يده ملوّحاً، وأعلن بخطورة: “سقطت الايديولوجيّات، والعالم يعيش اليوم تحوّلاً، إمّا يدخل في نفق مظلم، أو يذهب إلى مكان أكثر انسانيّة”. زملاؤه على الطاولة ألقوا نظرات متشابهة في تساؤلها حول: “متى سيتوقّف هذا عن التنظير؟”.
يؤكد لهم أنّه ليس لبيباً، ويُكمل ما قد علكته الجرائد ومحللوها: “العالم بعد حرب جورجيا يختلف عن عالم ما قبل حرب جورجيا”. وذلك ضمن “كليشيهات” أصبحت من النقاشات اليومية العامة والمنتشرة.
فجأة، يقفز من نافذة جورجيا إلى روسيا، ليتكلّم عن استيقاظ الدب الروسي. ومن هناك، لم ينسَ الولوج في صحوة التنين الصيني، آخذاً من افتتاح الأولمبياد دليلاً قاطعاً لإثبات نظريّته.
ما زال الزملاء ينظرون إليه. ولكن ليس بالضرورة يسمعونه. فهم يسرحون في همومهم الحياتيّة حيناً، ويقيمون الحسابات المئوية عن مدى مناسبة إقرار رفع الحد الأدنى للأجور مع ارتفاع الاسعار والغلاء، في حين آخر. والنتيجة واحدة لدى الجميع: الأسعار حلّقت أكثر بكثير من علو الحد الأدنى. وبالنسبة إليهم، يعني ذلك البقاء في مستنقع الديون.
هو، ترك الغليون جانباً. طلب كأساً آخر. لم ينفكّ يتحدث، من دون أن يتفهّم وجود الآخرين حتى. لم يخرج حديثه عن الكلام الممضوغ، ربما يريد أن يبرهن شيئاً ما لزملائه. يأخذ جرعة ثم يضيف: “الوضع البيئي العالمي وصل إلى حد لا يمكن السكوت عنه”. يتحدّث كأي ناشط في »غرينبيس” يوقف المارّة في شارع الحمرا ليخبرهم أنّ “العالم في خطر، وعليهم المساهمة في دفع التبرّعات لتبقى الارض مكاناً صالحاً للسكن”.
الآن، تحوّل الى خبير بيئي بعدما كان، منذ قليل، خبيراً في العلاقات الدوليّة.
نظريّاته لا تقف عند حد، فهو يقفز بين المواضيع من دون أن يضيف فكرة جديدة على الحديث: “ليته يصمت قليلاً “، يتمنّى زملاؤه ذلك، من دون أن يعلم.

***

في اليوم التالي، التقيت بأصدقائي، كانوا يريدون التهرّب مني. ولكنّهم فشلوا. أجلستهم أمامي، ومن جديد، امتشقت غليوني، وهيّأت يدي لألوّح بها، وفي الذكرى السابعة لأحداث ١١ أيلول/نيويورك، صرحت لهم، بمنتهى الخطورة: “العالم بعد ١١ أيلول ٢٠٠١ هو غير العالم قبل أحداث ١١ أيلول ٢٠٠١”… من دون أن آبه لنظراتهم المشمئزة مني.

17/09/2008

جريدة السفير

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

3 thoughts on “مُنظّر بلا حياء!”

  1. عزيزي هاني:
    اعجبت كثيرا بالمقال ولكن لم صيغة الغائب ثم المتكلم؟؟؟

    امتشق الغليون، رفع يده ملوّحاً
    ……….
    ومن جديد، امتشقت غليوني

    سلامييييييي

    أعجبني

  2. سلام مدار

    الانتقال من صيغة الغائب للمتكلم، للاشارة الى ان المنظّر المنتقد هو شخصي.. بالبدء كنت اسرد عن ذاتي بصيغة الغائب..ولاحقاً اصبحت الصورة اوضح.

    هذا المقال هو نقد للنموذج المنظّر! بلا حياء.

    تحياتي

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s