الدكّان في مواجهة الـ MALL


دفاتر الدين وعلاقات الجيرة والمشتريات اليوميّة… عوامل تساعد على صموده
هل انتهى دور «الدكّان» التقليدي؟ ربما، لكنّ التسهيلات التي يقدّمها إلى أبناء الحي، لا تزال تؤمّن أسباباً لصموده. ولم ينته دوره بعد انتشار المراكز التجارية والـ«سوبر ماركت» فهو يسدّ حاجات العائلات ويعتمد طريقة الدفع المؤجّل، ويؤمّن إيصال السلع إلى المنازل، وقبل كل شيء، مصدر موثوق به يقدّم النصائح بشأن النوعية

هاني نعيم

يعدّ الدكّان معلماً أساسياً من معالم أي شارع أو حي في لبنان، ولا سيما الأحياء الشعبية والأسواق والقرى… وقد كان الدكان سابقاً المكان الوحيد الذي يجد فيه المواطن حاجيّاته الاستهلاكيّة الأساسيّة، من الخبز إلى «جرّة الغاز»، مروراً بالمأكولات المعلّبة والحبوب والسكاكر والألبان والأجبان والزيوت والمرطّبات، إضافةً إلى مواد التنظيف. وغالباً ما تكون الخيارات المتاحة أمام الزبون شبه غائبة، فأصناف السلع تراوح عادةً ما بين الماركة والماركتين كحدٍّ أقصى، وهذا يعود إلى حجم الدكّان الصغير، فمساحة دكّان جمال الحريري في منطقة المدينة الرياضية لا تتجاوز الـ5 أمتار مربعة، ودكان أبو علي في منطقة المصيطبة مساحته حوالى 40 متراً مربّعاً، وهذه أكبر مساحة لدكان محلي بشكل عام، إذ نادراً ما تتجاوز مساحة الدكاكين هذه الحدود، وإن تخطتها، فهي تتحوّل من دكّان إلى ميني ماركت، وبالتالي تتسع خيارات الزبائن إن من حيث السلع المبيعة، أو من حيث الماركات.

ظاهرة تتلاشى
هذا في السابق، لكن بعد ظهور المؤسسات والتجمّعات التجاريّة الكبرى (Mall) والتعاونيات التي هي في الواقع «دكاكين ضخمة»، انحصر عمل الدكاكين، لكنه لم ينعدم، فالتجمعات التجارية تحتوي على كل ما يبيعه الدكّان، إضافةً إلى أقسام خاصة تؤمّن كل احتياجات الإنسان لتجهيز منزله مثل الأدوات الكهربائيّة والإلكترونيّة والمفروشات والملابس والعطورات وغيرها.. كما تضم معظم التجمّعات التجارية التسويقية الكبرى، مقاهي ومطاعم، وفسحات ترفيه خاصة بالأطفال، ما يحوّل التسوّق إلى رقعة «شم هواء ومشوار عائلي» حسب تعبير أحد زبائن هذه الأماكن، فهو «يضرب عصفورين بحجر واحد» ففي الـMall تقضي العائلة وقتاً مسلياً مجانياً، يتزامن مع شراء حاجيّات منزليّة أساسيّة، حيث إنّه يزور التجمع التجاري مع العائلة مرّتين في الشهر، لشراء حاجيّات مثل الأسماك واللحوم والثياب والكهربائيات وكل ما يتعلّق بالكمبيوتر، بينما يشتري من دكّان جاره (أبو علي) الدخان والخبز والأرزّ والمرطّبات بشكل يومي، «ولو كان الدكان يبيع كل ما احتاج إليه وأريده لكنت قد اشتريته من عنده، لكنّ الدكان عمله محدود» يقولها موضحاً سبب زيارته للـMall واستغنائه عن الدكان إلّا للحاجيّات اليومية التي لا يمكن تخزينها لفترة طويلة.

الدين مسموح به
من الملاحظ أنّ غالبية الدكاكين، تعمد إلى استخدام خدمة «التديين» لسكان الحي، وهذا الأسلوب تستخدمه الدكاكين منذ زمن بعيد، وخصوصاً أنّ زبائن الدكاكين الدائمين هم من ذوي الدخل المحدود والطبقة الوسطى، لكن مع انخفاض القدرة الشرائية لدى هذه الطبقة، أصبحت نسبة الاستدانة أوسع انتشاراً، وأمراً بديهياً يترافق مع عمل الدكان، فيعمد أصحاب الدكاكين إلى استخدام آليات مختلفة للتديين وتحصيل الديون، وهذه الآلية تختلف بين دكان وآخر، فزبائن وسيم وهو صاحب دكّان في وطى المصيطبة منذ 15 سنة، من العائلات القاطنة في الحي، إضافةً إلى العمال العرب والأجانب، فهو بالتالي يدّين العائلات ويحصّل أمواله كل آخر شهر، أما في ما يتعلق بالعمال، فذلك يختلف حسب مدخولهم الذي يحصلون عليه أسبوعيّاً أو شهرياً.
يقول صاحب دكان في طريق الجديدة منذ 11 عاماً محمد نابلسي الذي يديّن حوالى 15 عائلة شهريّاً إن «الزبائن يدفعون الديون آخر كل أسبوع، وآخر كل شهر، ويمكن تقسيط الدين إذا تعدّى الحد الذي يمكن أن تتحمّله قدرته الشرائية». ومع انخفاض القدرة الشرائية للبنانيين، يرى أصحاب الدكاكين أن الدين هو «شغلة ضرورية لنبيع»، فالمعادلة هي «إذا لم تديّن فلن تعمل».

ميزات تفاضلية
ويحاول أصحاب الدكاكين الانتصار على زمن الـMALL فيكررون عبارة أن المتاجر الكبرى لا تشعر بالزبون ومشاكله، ولا تعتمد خدمة الاستدانة. ويلفت نابلسي إلى أنه يثق بزبائنه، ويراعي قدرتهم الشرائية، وهذه الخدمة تميّزه عن المتاجر الضخمة. أما أبو هيثم وهو صاحب ميني ماركت منذ 18 سنة، في شارع الحسنين بين طريق الجديدة والمدينة الرياضية، فيقول إن الناس يذهبون كل أوّل شهر للتبضّع من الـMall، وقليلاً ما يتكرر «هذا المشوار» خلال الشهر، ويبقى للعائلة الكثير من الأغراض والاحتياجات التي لا يمكن أن تتبضّعها، فالخبز هو حاجة يومية، كما الدخان والألبان والأجبان والمرطّبات وغيرها..، ونظراً إلى أنّ الذهاب المتكرر إلى الـMall مسألة صعبة، يلجأ الناس إلى تلبية هذه الاحتياجات عبر شرائها من دكان الحي، وهو يبعد عن البيت حوالى 200 متر على أبعد تقدير، مشيراً إلى كثرة الدكاكين الموزّعة في أحياء المدن اللبنانية، ولا سيّما في الأحياء التي يقطنها أبناء الطبقة الوسطى وما دون، فهي بموقعها وبضائعها المناسبة للقدرة الشرائية المنخفضة تتحوّل إلى مركز جاذب، وخصوصاً أن أصحاب الدخل المحدود، يلجأون إلى شراء حاجياتهم «كل يوم بيومه»، مبتعدين بذلك عن التبضّع الشهري الذي يقضم معاشهم. ويوضح «في السابق، كان الناس يتبضعون بـ100 ألف ليرة لتأمين احتياجات الشهر، بينما اليوم، هذه القيمة لا تكفيهم سوى 5 أيام، أو أسبوع على أبعد تقدير».
ويشير أصحاب الدكاكين إلى أنّ المنتجات المَبيعة يوميّاً مختلفة الأصناف، إلّا أن السكاكر والـ «تشيبس» الخاصة بالأطفال تمثّل جزءاً أساسياً في ربح الدكان، ويقول الحريري إن «بيع السكاكر لا يتوقف».

«الدكان ملجأُنا»
وتتشابه حالة أصحاب الدكاكين في الأحياء، فمهنتهم في خطر، وليس لديهم الحد الأدنى من المنافسة، فقد حوّلت المتاجر الكبرى «الدكان إلى محل من أجل بيع الحاجيات اليومية، «ويوم القطعة»، وتديين الناس الذين لا يستطيعون القيام بالتبضع الشهري». ويرى جمال الحريري أن الـMall له تأثير سلبي بنسبة 80 في المئة على حركة مبيع الدكاكين، إضافةً إلى كثافة الدكاكين في الحي الواحد، ما يخفض نسبة المبيعات. ويسأل «ماذا لو قرّر أصحاب الـMall الدخول إلى هذه الأحياء الشعبية وإقامة التجمعات التجارية هنا؟»…
ويشير بعض أصحاب الدكاكين إلى أن اعتماد زبائنهم على المتاجر الكبرى بدلاً من أن يشجّعوا الدكان هو بمثابة خيانة، ويتهكّم أبو علي على زبائنه الذين هجروا دكانه بعدما كان مصدراً أوّلياً لشراء حاجياتهم، ويقول إن الناس لن يقطعوا مسافة طويلة ويستقلوا وسيلة نقل لشراء سلعة صغيرة، عندئذ يكون الدكان ملجأهم. ويستطرد مخفّفاً عنه «عمري 80 سنة، سأضجر إذا بقيت في منزلي دون عمل، في الدكان ألتقي الأصدقاء، وأبقى في تواصل دائم مع الناس».

الجمعة ٧ آذار ٢٠٠٨

الكاتب: Hanibaael

I'm Just a Writer. Content-Maker. Photographer. Coffee-Lover. Jackdanielist. Jazzoholic. Author of (Graffiti of Uprisings)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s