-توجهك ؟
لا أريد أن اكتب كلمات واسعة، وقريبة للشعارات و”الحكي الكبير”.
الإنسان هو توجّهي. تحرير الانسان من الظلم والعبودية.. مناصرة قضية حرية الانسان وين ما كان.. (هذا كلام سهل، ولكن هذا ما اؤمن به، وهذه قناعاتي).
قد يكون توجّهي أقرب إلى اليسار. ولكنه ليس يسار “خالص”. هو خليط من التوجه الانساني واليساري.
-مقولة تؤمن فيها ؟ لمن ولماذا؟
“ماذا كان يمكننا أن نبدع لو كانت هنالك آلهة؟” (العبارة هي لنيتشه، من كتاب “هكذا تكلّم زاردشت”).
اؤمن فيها، وهي محفّزة على الخلق والابداع والانطلاق بفضاء بلا قيود.. من أجل حياة اقل عبوديّة.
-العلمانية. ما هي بالنسبة لك؟
العلمانية هي ليست مجرد نظرية. هي سلوك يومي، وممارسة، وطريقة تفكير (لحد ما). اؤمن ان العلمانية هي مخرج “لا بأس” به لهذه البلاد. رغم غياب القوى العلمانية واليسارية وانكفائها إما إلى خنادق الطوائف، وإما إلى الخفوت، وشبه الموت.
القوى العلمانية ككل، هي في عداد الموتى. نحن بحاجة لقوى تغييرية، تحمل فهماً جديداً للنظام والمجتمع، وتحمل قوالب تنظيمية اكثر مرونة، وخطاب أكثر حداثة يستطيع رسم مساراً آخراً خارج الاصطفافات الطائفية، ما بين ما كان يعرف سابقاً 8 و14 آذار.
-هل مازلت تؤمن بالايديولوجيا، والقوميات؟
بالنسبة الي، الايديولوجيات سقطت، على الاقل بشكلها الحالي. وكل ايديولوجية لا تطور، واضافة عليها مفاهيم تلائم الحياة الحالية، سيكون مصيرها البقاء في الكتب، وعقول المؤمنين فيها، ليس اكثر.
المفهوم التاريخي للامة، برأيي، انتهى عهده. والقوميات بشكلها التاريخي سقطت، على الاقل بالنسبة الي، ولم أعد اؤمن فيها.
ولكن هذا لا يمنع، اني كون مؤيد لمجالس تعاونية تجمع دول المشرق، وحتى دول المديتراني، التي يمكنا أن تشكل فضاء ثقافي-فني يحمل كل ابداعات المجتمعات المحيطة بالمديتراني، ولكن هذا المشروع بعيد نسبياً. (واكيد ليس بالشكل الذي طرحه خينا ساركوزي، طول الله ظله).
-برأيك، لماذا تراجعت هذه القوى العلمانية واليسارية والعقائدية اللادينية؟
الاسباب محلية واقليمية ودولية.
المحلية: انخراط القوى العلمانية واليسارية واللادينية بالحروب الداخلية الطائفية، ما اضعف شرعيتها. وفي ظل تنامي الشعور الطائفي، القوى الطائفية بدأت تاخد مجدها.
اقليمية: الدول الاقليمية لعبت دور بتقوية الاحزاب الدينية والطائفية على حساب العلمانية (منها تصفية جبهة المقاومة الوطنية، ومشاركة الاحزاب الطائفية والدينية بالتصفية).
دولية: بدء انهيار المنظومة الاشتراكية، وسقوط الاتحاد السوفياتي اخيراً، الذي كان يشكل “دعامة” محورية لليسار العالمي ككل..
اضافة للعوامل الموضوعية لخروج “الدين” من القمقم.. تحدثت عنه سابقاً.
-منذ فترة طويلة نعرف هنيبعل ضمن إطار قومي وثقافة معينة إن بتأثرك أو كتاباتك. ماهي الظروف التي ساهمت بوصولك لقناعة سقوط القوميات؟
هل تشعر بالأسى من الحالة العامة تجاه القضايا التي تعنى بها ؟
هل تعتقد أنه من المجدي لشعب أو أمة أن تصل الى أهدافها وتحقق قضاياها الخاصة إن كانت لا تؤمن بقضايا الانسان الأساسية؟ هل تجد نفسك معني بقضايا هذه الأمم؟ هل ترى هذه الصورة جزئية أو مرحلية؟
قصة الاسم هي ان والدي كان يريد تسميتي “هنيبعل”، ولكن “رئة” المختار كانت صغيرة، و”الاسم طويل”، فسجل “هاني”.
حالياً، هناك من يناديني “هنيبعل” وآخرون “هاني”.. وأستجيب للاسمين.
فيما يتعلّق بالعقائد، أجبت جزئيا في الاسئلة الاولى.
المسألة متشعّبة. بين تجربة حزبية قصيرة جداً (عدة اشهر، وكنت خلالها معارض للسلطة الحزبية)، وتجربة اخرى خاصة طابعها تنظيمي، وقد انتهت.
هي خليط من التجربة الذاتية، التشكيك بالمسلّمات، القراءات، نقد ذاتي.. وواقع عالمي جديد تفرضه العولمة على كل المفاهيم العالمية “من مفهوم السيادة القومية وصولاً إلى الحرية والاستهلاك والانتاج..”..
التجربة الحزبية اعتقد انها كانت ضرورية جداً لاستطيع أن اعبر إلى المكان الذي انا فيه اليوم. وبالتالي للافكار التي احملها حالياً. بعد التجربة وصلت لخلاصات وافكار كثيرة، اعبّر عنها عبر كتاباتي.
كل فرد له تجربته وخلاصاته، واهم ما في الأمر هو ان يكون الانسان منسجم مع ذاته، قبل اي شيء آخر..ويحيا قناعاته حتى النهاية.
المسألة تتعلق: بطرح الاسئلة دائماً. الشك بالمسلّمات. البحث عن نطاقات اكثر انسانيّة.. والمشكلة بالايديولوجيات انها حملت “الحرية” ولكنها وقفت عند تكبيل الانسان داخلها. هي ضرورية كمرحلة انتقالية في حقبة معيّنة، ولكنها عندما تتحول الى هدف بحد ذاته، عندها تكمن المشكلة. خصوصاً، عندما تتحوّل إلى “نص مقدّس”. هنا الكارثة. تصبح شكل آخر لعبودية الانسان..
الشق الثاني من السؤال:
قد تكون الصورة مثاليّة لديّ، ولحد ما واقعيّة. الانظمة التي كانت تدوس المواطن بداخلها بحجّة محاربة العدو الخارجي اثبتت تجاربها جميعاً انه “الانسان الممسوح لا يمكنه الانتصار على العدو”.
كي تستطيع الدول مواجهة التحديات الكبرى، مثل الاحتلال والتفسّخ الاجتماعي، العولمة، والفقر، عليها ان تعمل على بناء انسان حر (افراد ومجموعات)، له مساحته التي يستطيع عبرها ان يعبر عن ذاته وافكاره ومعتقداته، إضافة الى المشاركة السياسية والحماية الاجتماعية التي يجب تأمينها له.
المجتمع الحر، الغير مكبوت سياسياً وثقافياً يمكنه ان يخلق ثقافة وهويّة اكثر تماسكاً واكثر احتواءً لكل فئات المجتمع تستطيع من خلاله مواجهة التحديات الكبرى.
وللاسف، في عالمنا العربي الفئات المهمّشة آخذة بالتوسّع، من فئة الشباب، للاثنيات والعرقيات الاخرى، المتحدّثين بغير العربيّة، غير المسلمين، المثليين جنسياً، المرأة.. ماذا يوجد بعد فئات مهمّشة؟
وعليه، يمكننا أن نرى واقعنا المر، والسيء!
-في إحدى محاضرات علم الانسان، قال المحاضر ما يلي: “لولا نيتشه لما كان ممكن أن يوجد هتلر بالطبع هتلر كمفكر لا كانسان. وجد انه في مكتبة هتلر حوالي 300 ألف كتاب، تتناول شتى العلوم، وقد كان نيتشة هو الفيلسوف المفضل، لدى هتلر. لأسباب كثيرة أهمها العنف المطلق/ الذي كان نيشة يدعو له. باعتقادك المشكلة، ان وجدت، هل تكون بالمفكر أم فيمن يفسر فكره ويحمله أو يترجمه واقعا أم بالمفكر والمنفذ؟
ما “خلق” هتلر ليس افكار نيتشه، التي قد تكون بأحد المطارح شكلت مصدراً له.
مرحلة ما بعد الحرب وفرض المعاهدة على المانيا، وفرض القيود على تحركها وحراكها الاجتماعي-السياسي ادى لفوز هتلر بالانتخابات واطلاق قبضته على البلاد كلها.
المشكلة يمكنها أن تكون بالفكرة، وبالمفكر، وبمطبّقها. وكل حالة لها ظروفها!
-إذا كان هدف هذه إلايديولوجيا هو تحرير الإنسان و إطلاق طاقاته الفكرية والجسدية و رفع الظلم و العبودية على جميع المستويات، و إذا كان محركها الأساسي هو الحركة، وعدم الثبات، وعدم الجمود، والعلم هو سلاحها، أين المشكلة ؟
من قال انها مشكلة؟ الفكرة واضحة. كل ايديولوجيا تتحول لايقونة عبادة، ونص مقدّس، وتتوقف عن التقدم والحراك والنقد الذاتي وتجديد آليات العمل والخطاب ستدخل بدوّامة من الفراغ، وتصبح جزء من المشكلة بدل أن تكون هي الحل.
وأيضاً، كل حركة تعتبر ذاتها انها تملك مفتاح “الجنة” على الارض ام السماء، هي حركة تحفر قبرها بيدها. والحركة التي تتوقف عن البحث عن تجديد ذاتها وتغرق في دوّامات “التقديس” والايقونات، هي حركة باتجاهها نحو الموت السريري (على الاقل)..
-تتحدث عن النص، عندما يصبح مقدساً. هذه مشكلة حقاً. في العلم لا يوجد شيء مقدّس. وايديولوجية مادية علمية كل نصوصها ليست مقدّسة، وانما يجب دحضها بالعلم والبرهان، بالمقابل. ودحض فكرة ما لا يعني الغاء اديولوجيا قائمة بحد ذاتها. هل التغى الرياضيات بسبب الغاء معادلة فيه؟
اكيد لا شيء يلغى. وتبقى الايديولوجيات السابقة خزان يمكن الاستفادة منه، على صعيد التجارب، والاستفادة من نقاط اخفاقاتها ونقاط قوتها، وحتى من بعض الافكار.
ولكن الاكيد، العالم بحاجة لحركة جديدة خارج كل النظريات التي تم طرحها.. والاكيد انها ستتضمن افكار من النظريات السابقة. بالنهاية، تحرير الانسان مش نظرية اشتراكية او ليبرالية، هي مبدأ انساني عام.
-الفرق بين الحركة المدروسة و العلمية و الحركة الفوضوية، ان الأولى تعرف من أين ستنطلق، وكيف تتحرك، وإلى اين تتجه. اما الثانية، فهي حركة فوضوية لديها هدف، ولكن كيف تصل إليه وبأية طريقة؟. فهي حركة عاجزة لا يعوّل عليها.
حرية ورفع ظلم وعدالة. اريد خطة (plan). اريد خريطة ؟!
اية حركة تحرير “عالمية” للانسان لن تكون فوضويّة. لان الحركة المنظمة هي التي تستطيع تخلق خطة ومنهج تتبعه لتحقيق هذه الاهداف. ولكن الاكيد ان الاحزاب العقائدية بالشكل الكلاسيكي- الحديدي القديم هي حركات لم تعد قادرة على استيعاب التغيرات القائمة بالعالم، وحتى شكلها لم يعد ملائم لحياة الانسان الحالية.
-لا استطيع التفكير بسؤال لم نناقشه مئة مرة في السابق. كنت تتحدث عن ضروة وجود حركة عالمية ما مستقبلاً، هل يا ترى هاني الكائن البشري الذي كان صعباً عليه أن يتأطر سابقاً، وقد اصبح الآن اصعب من ان يتأطر، سيستطيع أن يتأطر بأي شيء لاحقاً؟
هذا السؤال مازلت افكّر به. والاحتمالات صراحة مفتوحة على كل شيء. ما بين أن اكون جزء من بعيد، او من قريب. وهذا يعود، مستقبلاً، “وين رح كون”.. ولكن الاكيد، اذا عبّرت هذه الحركة عن تطلعاتي، سأكون جزءً منها، بشكل او بآخر، بغض النظر عن الشكل التنظيمي الذي سيربطني فيها وشكل التأطير.
- هل ترى أنه يوجد مشكلة في فهم الآخر بين العرب والغرب؟
العلاقة بين الغرب والعالم العربي (والشرق عموماً) ملتبسة. خصوصاً، ان آخر اشكالها كانت علاقة “فوقية”، أي ان الغرب “المتحضر” بالقرن العشرين جاء كي يحضّر العرب “المتخلّفين”. وبالسابق، كانت علاقة تجارة، حروب، تبادل علمي.. علاقة متشعّبة، متل علاقة أية حضارة بحضارة اخرى.
باحد المطارح، يوجد نقمة عربية على الغرب. (بغض النظر عن مشاكلنا وعنصريتنا، وانهماكنا بتصنيف انفسنا بين مؤمن وكافر). يعتبر العرب أن جزء من كوارثهم الغرب مسؤول عنها (الغرب يحقق مصالحه). منها خلق دول عربية ما ادى لمنع “الوحدة العربية” التي تعتبر حلم عربي كبير، يراود كل انسان يقطن بين الخليج والمحيط. إضافة، لوعد بلفور البريطاني بانشاء “وطن قومي لليهود”، وعمل الغرب على “غسل العار” من المحارق بحق اليهود، وبالتالي دعم هذا الكيان لاقصى الحدود. وأخيراً، يدعم انظمة لا تعبّر عن الشعوب العربية. (وهذا لا يبرر السكون العميق الذي يحل بالشعوب العربية، طبعاً. هم المسؤولون بالنهاية عن حياتهم، ومصيرهم!؟)
بعد هذه الصفعات “الغربية” للعرب. يمكننا ان نتوقع ردة فعل العرب (كشعوب، وليس انظمة). العرب في ردة الفعل. اما الغرب، فلم يحاول ان يفهم اكثر الواقع التاريخي- الحضاري لهذه البقعة من العالم. تعاطت معها على انها مجرد بئر نفط كبير، ومحميّات امنيّة، وحديقة خلفيّة، ليس اكثر.
يحاول الغرب، مع بدايات الالفية الثالثة، ان يفهم العرب. او هكذا يبدو له. عبر “مؤسسات المجتمع المدني العالمية” التي تقتحم العالم العربي، محاولة تنميته، ادخال اليه مفاهيم حداثوية (العمى شو كبيرة هالكلمة): مثل المواطنة، الديمقراطية، حقوق الانسان.. ويبدو إلى الآن، ان الهوّة التي يحاول ان يقلّصها بينه وبين “العربي” مازالت كبيرة.. وعميقة!
لأن المسألة في مكان آخر..
-ما هو الثمن الذي تشعر بانك قادر أن تدفعه من أجل قناعاتك؟ اتحدث عن الشعور الداخلي، لان الجواب لأوّل وهلة قد يكون بسيطاً.
يوجد عبارة لاحدهم هي “عبارة مرجعيّة الي” وهي : (الأفضل للانسان ان يعيش قناعاته على متر مربع واحد، على ان يعيش قناعات الآخرين على امتداد مساحات الدنيا كلها).
عندما يتوقف الانسان عن عيش قناعاته، يكون بدأ بالموت، ولو بقي يتنفّس.
-برايك، الثورة مازالت موجودة ام تحولت لاماكن اخرى ؟
الثورة. كلمة مثيرة جداً. محفّزة للتخيل، والابداع!
قد يكون حلماً ان تنزل الناس ببيروت ودمشق والقاهرة والمغرب وبغداد وحيفا ورام الله .. وبراغ، وباريس، وبكين، ومدينة بعيدة باميركا اللاتينية.. تنزل إلى الشارع. تنتزع حريتها بيدها من كل الانظمة القائمة. تنتزع حقها بالحياة، وبظروف حياتية اكثر انسانيّة.
ولكن الثورة في الشكل مازال قائم؟ يمكن نظرياً، قائم كحلم، وواقعياً من شبه المستحيل.. قد يكون لها شكل آخر، أدوات مختلفة.
“كل الشعوب بكرا ح تفيق”. قال زياد الرحباني.
ربما؟!













man fekret l thawra enno tenzal l ness tenteze3 horriyeta bi2ida hayde ma betsir simply la2an aktariet l ness (bil 3alam l gharbe bi tabi3et l 7al) me3tebra enna hasle 3ala horriyeta la heik ma fina netwa22e3 menna enno tsour 3al anzime.
w eza badna ye7a tsour badna nghayerla 2ane3ata.. w yemken bisir ahyanelna nehna nghayer ane3atna l sawrawiyye 3ala enno ne2na3a hiyye tghayer.
تحياتي إيلي،
فيما يتعلق بفكرة انتزاع الشعوب لحريتها.. والانتفاض هو على النظام القائم.
ذلك النظام الذي يستعبد كل الشعوب، ويجعلها تركض لاحثة وراء ورقة خضراء. ذلك النظام الذي كرّس معادلة “تملك سنت، فأنت تساوي سنت”.
وبطبيعة الحال، لا أحد يمنح الحرية لأحد. العالم العربي لن يمنحه أحد الحرية. لا الدين، ولا الأنظمة القائمة، ولا الغرب، ولا الشرق، ولا نانسي. عليه، أن ينتزعها، ببساطة!